مقالات الرأي

نبض،،، الواقع الارتقاء بالتعليم… معركة بناء العقول لا الجدران سعاد أم ارتقاء تكتب:

نبض،،، الواقع

الارتقاء بالتعليم… معركة بناء العقول لا الجدران

سعاد أم ارتقاء تكتب:

إنّ الارتقاء بالعملية التربوية لا يتحقق بالشعارات الرنانة، ولا بالمبادرات المؤقتة، ولا بالدعم الذي يأتي بلا أثر حقيقي، وإنما يتحقق بالعمل الجاد، والتخطيط السليم، والاستثمار الواعي في الإنسان؛ لأن بناء الأوطان يبدأ من بناء العقول، وصناعة جيل يمتلك الوعي والمعرفة والانتماء.

فالدول التي جعلت التعليم أولوية قصوى استطاعت أن تحقق التنمية والإعمار والتقدم، بينما غرقت الأمم التي أهملت التعليم في مستنقعات الجهل والتخلف والاضطراب.

واليوم، تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم مسؤولية تاريخية في مرحلة ما بعد الحرب، ليس فقط بإعادة تأهيل المدارس، وإنما بإعادة تشكيل الوعي ومحاربة المصطلحات والسلوكيات التي أفرزتها الحرب، تلك المفردات الخشنة التي تسللت إلى وجدان الأطفال والشباب وأثرت على لغة المجتمع وسلوكه. فالمعركة الحقيقية ليست معركة جدران، بل معركة بناء إنسان.

كما أن الاهتمام بالمعلم يجب أن يكون في مقدمة الأولويات؛ تدريبًا وتأهيلًا وتحفيزًا ماديًا ومعنويًا، لأن المعلم هو حجر الزاوية في نهضة الأمم. وليس من المبالغة القول إن المعلم يستحق أن يكون من أعلى فئات الدولة أجرًا، فهو الذي يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والإعلامي وكل أصحاب المهن الأخرى.

إن العملية التربوية لم تعد مجرد تلقين داخل الفصول الدراسية، بل أصبحت منظومة متكاملة تهدف إلى بناء التلميذ فكريًا وأخلاقيًا وسلوكيًا. فالتعليم الحقيقي هو الذي يصنع الوعي، ويغرس القيم، ويؤسس لجيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لتطوير البيئة المدرسية وتهيئة المدارس بما يواكب العصر، فالمدرسة اليوم لم تعد مكانًا لتلقي الدروس فحسب، بل أصبحت فضاءً للإبداع والابتكار وتنمية القدرات. ولهذا، أصبح إدخال التكنولوجيا الحديثة ضرورة لا ترفًا، عبر توفير معامل الحاسوب، وأنظمة الطاقة الشمسية، ومعامل الفيزياء والكيمياء للمرحلة الثانوية، إضافة إلى توفير آلات التصوير والطابعات لتخفيف أعباء رسوم الامتحانات التي أثقلت كاهل الأسر.

ولا يمكن أن تنجح العملية التعليمية دون شراكة حقيقية مع الأسرة، فقد كان الآباء قديمًا يقولون للمعلم: «لك اللحم ولنا العظم»، تعبيرًا عن الثقة الكاملة في دور المدرسة والمعلم. واليوم، نحن بحاجة إلى إعادة هذه الشراكة عبر تفعيل مجالس الآباء بصورة حقيقية، لتسهم في تطوير المدارس وتوفير بيئة مناسبة للمعلمين والتلاميذ، وتخفيف الأعباء المالية التي تدفع بعض الأسر إلى النفور من التعليم.

كما أن لجمعيات “صديقات المدرسة” دورًا مهمًا في توعية الأمهات، خاصة الأميات منهن، بأهمية التعليم، والمساهمة في دعم الأسر المتعففة بصورة تحفظ كرامتها، حتى لا يشعر التلميذ بالنقص أو الحرج وسط زملائه.

وقبل الختام، فإن المدارس يمكن أن تكون أيضًا منابر للتوعية المجتمعية، من خلال توزيع المنشورات والإرشادات الصحية المتعلقة بالملاريا وحمى الضنك وغيرها من الأمراض، ليقوم التلاميذ بدورهم في نقل الرسائل التوعوية إلى منازلهم. كما أن نشر ثقافة استخدام الناموسيات المشبعة، وردم البرك، وتغطية أواني المياه، مع توفير الفحص والعلاج المجاني، كلها خطوات تسهم في حماية المجتمع وصناعة بيئة صحية آمنة.

ختامًا…

إذا كنا نطمح للحاق بالدول المتقدمة، فعلينا أن ندرك أن الطريق يبدأ من المدرسة. فلتتوحد الجهود بين الوزارة، والمعلمين، والإعلام، والأسر، ومنظمات المجتمع، من أجل صناعة جيل قادر على أن يكتب على سفينة المستقبل: «صُنع في السودان».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى