مقالات الرأي

إشراقات الجمعة انتصار جعفر بين الفرح والمباهاة… هل آن أوان مراجعة تكاليف الزواج بعد الحرب؟

إشراقات الجمعة

 

انتصار جعفر

 

بين الفرح والمباهاة… هل آن أوان مراجعة تكاليف الزواج بعد الحرب؟

 

نحو ثقافة اجتماعية جديدة تُعلي قيمة الاستقرار على حساب المظاهر

 

كثيرٌ من الناس يُحمِّلون أنفسهم فوق طاقتهم المادية عند زواج الأبناء والبنات فيلجأ بعضهم إلى الاستدانة وأحيانا إلى بيع ممتلكاتهم فقط من أجل إرضاء المجتمع والظهور بمظهر الأسرة “المكتملة” اجتماعيا مهما كان الثمن باهظا. وتمضي الأسرة بعد ذلك سنوات طويلة تحت وطأة الديون والالتزامات وقد أنهكها الإرهاق النفسي والمادي فقط من أجل مظاهر وقتية سرعان ما تنتهي.

وللأسف، فإن ثقافة المبالغة و(البوبار) ظلت لفترة طويلة حاضرة في بعض أوساط المجتمع حتى التصقت غالبا بالنساء رغم أن بعض الرجال أيضا يمارسون ذات السلوك الاجتماعي القائم على التفاخر والمنافسة غير الضرورية.

وقبل الحرب كانت كثير من الزيجات تُقام في أجواء من الإسراف المبالغ فيه لكن الحرب بما فرضته من واقع قاس، كشفت للناس أن الزواج يمكن أن يتم ببساطة ويُسر دون تكلف أو استنزاف.

فقد رأينا خلال فترة الحرب زيجات تمت داخل السودان وخارجه وأحيانا يكون العريس في دولة وأهل العروس في دولة أخرى بينما بقية الأسرة موزعة بين المنافي ومناطق النزوح ومع ذلك تم عقد الزواج بكل سهولة ومحبة ورضا دون تعقيدات أو بهرجة اجتماعية.

ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الجميع ما زالت بعض الأسر تُقيم حفلات زفاف تُنفق فيها أموال طائلة على المظاهر الفنية الاستعراضية واستقدام الفنان “صاحب العداد الكبير” فقط من أجل الوجاهة الاجتماعية والتفاخر أمام الآخرين.

ونحن لسنا ضد الفرح ولا ضد الكرم السوداني الأصيل فالفرح حق مشروع وإكرام الضيوف من جميل العادات لكن المطلوب هو الاعتدال خاصة في ظل واقع اقتصادي وإنساني صعب فرضته الحرب على الجميع. فمن الحكمة اليوم أن نحتفظ بـ”القرش الأبيض لليوم الأسود” وأن نُعيد ترتيب أولوياتنا بما يخدم مستقبل الأسر الجديدة لا أن نبدأ حياتها بالديون والأعباء.

إن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة حقيقية لكثير من العادات الاجتماعية خاصة تلك التي أصبحت عبئا على الناس أكثر من كونها مصدرا للفرح. فبدلا من صرف الأموال في ليلة واحدة لماذا لا تُوجَّه تلك المبالغ لما هو أنفع وأبقى؟ كأن يُهدى الزوجان منزلا أو أثاثا أو سيارة أو يُفتح لهما مشروع صغير أو يُودَع مبلغ مالي يساعدهما على بناء مستقبلهما واستقرار حياتهما.

بهذه الطريقة تتحول المناسبة الاجتماعية من مجرد مظهر احتفالي مؤقت إلى خطوة عملية تؤسس لحياة مستقرة ومنتجة وتُعيد للعادات والتقاليد روحها الحقيقية القائمة على التكافل والتعاون لا التفاخر والتنافس.

لقد علمتنا الحرب دروسا قاسية وأبرزت أهمية البساطة والتراحم وإعادة النظر في كثير من المفاهيم التي ظلت تتحكم في حياتنا لسنوات طويلة. ومن الطبيعي أن يشمل التغيير كل جوانب حياتنا الاجتماعية والفكرية حتى نستفيد فعلا من التجربة المريرة التي مر بها الوطن.

 

إشراقة أخيرة..

 

التغيير الحقيقي..

 

نحن اليوم نعيش مرحلة التعافي من حرب لعينة قضت على الأخضر واليابس وها نحن نعود إلى بيوتنا ومدننا وذكرياتنا الجميلة نحاول إعادة ترميم ما تهدم وبث روح الحياة من جديد في تفاصيل أيامنا. وفي داخل كل واحد منا شوق كبير لبداية مختلفة أكثر وعيًا وبساطة ورحمة. لذلك فإن التغيير الحقيقي يجب أن يشمل السلوك والفكر والعادات حتى نبني مجتمعا أكثر توازنا إنسانية يواكب واقع ما بعد الحرب بعقلٍ راشد ونظرة ثاقبة للمستقبل.

 

نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى