نبض… الواقع الفريشين في الأسواق… بين فوضى البيع وضرورة المعالجة سعاد أم ارتقاء تكتب:

نبض… الواقع
الفريشين في الأسواق… بين فوضى البيع وضرورة المعالجة
سعاد أم ارتقاء تكتب:
أصبحت ظاهرة “الفريشين” والحمالين وباعة الأطعمة والباعة المتجولين داخل الأسواق من أكثر المشاهد حضورًا في حياتنا اليومية، حتى تحولت إلى هاجس يؤرق المواطنين والتجار على حد سواء، لما تسببه من ازدحام وفوضى وحالات نشل وسرقات، فضلًا عن تأثيرها المباشر على الحركة التجارية والمظهر الحضاري للأسواق.
ورغم أن معظم هؤلاء من الشباب الذين دفعتهم قسوة الظروف الاقتصادية إلى البحث عن لقمة العيش بأي وسيلة ممكنة، إلا أن غياب التنظيم فاقم الأزمة وجعل المشهد أكثر تعقيدًا، خاصة مع الحملات التي تنفذها بعض المحليات، والتي كثيرًا ما تُقابل بالانتقاد بسبب قسوتها في التعامل مع هؤلاء الباعة البسطاء.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تُعالج الظاهرة بالمطاردة؟
وهل يكون الحل بمصادرة بضائعهم وتحطيم أدوات رزقهم؟
بالتأكيد لا. فهذه المعالجات لا تتجاوز كونها حلولًا مؤقتة لا تمس جذور الأزمة الحقيقية. إذ إن معالجة القضية تبدأ أولًا بفهم الأسباب التي دفعت هؤلاء الشباب إلى الشارع والأسواق بهذه الصورة القاسية والمُهينة أحيانًا.
أحد الشباب قالها بحسرة:
«كرهنا الشغل بسبب معاملة ناس المحلية».
وهنا تتضح المأساة بجلاء؛ فالبطالة وارتفاع معدلات الفقر وضعف فرص العمل دفعت أعدادًا كبيرة من الشباب إلى العمل العشوائي كمصدر رزق وحيد يعينهم على أعباء الحياة، خاصة في ظل الظروف التي فرضتها الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
ومنذ اندلاع الحرب، تغيرت أحوال كثير من الأسر، وأصبح عدد كبير من الشباب — بل وحتى الأطفال — يتحملون مسؤولية إعالة أسر كاملة في سن مبكرة، بعدما اضطر بعضهم إلى ترك الدراسة والبحث عن أي وسيلة للبقاء.
وما يثير القلق بصورة أكبر أن نسبة مقدرة من هؤلاء الباعة هم من الأطفال الذين دفعتهم قسوة الظروف والفقر والنزوح إلى ترك مقاعد الدراسة والنزول إلى الأسواق بحثًا عن لقمة العيش. وهنا تتحول القضية من مجرد بيع عشوائي إلى ملف إنساني واجتماعي خطير يرتبط بعمالة الأطفال وما يترتب عليها من حرمان من التعليم، والتعرض للاستغلال والانحراف والمخاطر اليومية داخل الأسواق والشوارع.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع بصورة مباشرة على الجهات المختصة ومؤسسات رعاية الطفولة والمنظمات المجتمعية لوضع برامج حماية حقيقية لهذه الفئة، عبر إعادتهم إلى التعليم، وتوفير الدعم اللازم لأسرهم، وخلق بيئة آمنة تحفظ طفولتهم وكرامتهم، لأن الأطفال مكانهم الطبيعي ليس الأرصفة والأسواق، بل المدارس ومقاعد التعلم وصناعة المستقبل.
لهذا، فإن الحلول الناجحة لا يمكن أن تقوم على المطاردة والتضييق، بل على التنظيم والمعالجة الحكيمة. فالمطلوب هو تخصيص مواقع محددة داخل الأسواق، وتنظيم عمل هؤلاء بصورة قانونية تحفظ حقوقهم وحقوق التجار والمواطنين معًا، إلى جانب إنشاء أسواق شعبية صغيرة تستوعبهم وتوفر لهم بيئة عمل مناسبة تقلل من الفوضى والاحتكاكات اليومية.
كما أن دعم الشباب عبر تمويل المشاريع الصغيرة، والتدريب، وتطوير المهارات، يمثل خطوة ضرورية لتحويل هذه الطاقات إلى قوة منتجة تسهم في التنمية والإعمار، بدل أن تظل حبيسة المعاناة والتهميش.
فالشباب ليسوا عبئًا على المجتمع إذا وجدوا الفرصة الحقيقية، بل هم عماد البناء وأمل المستقبل، لأن الأوطان لا تنهض إلا بسواعد أبنائها، و«بُكرة يا سودانّا تكبر».
إن القضية ليست مجرد ظاهرة بيع عشوائي داخل الأسواق، وإنما انعكاس مباشر لأزمة اقتصادية واجتماعية أعمق، تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع والمؤسسات المختصة لإيجاد حلول جذرية تحفظ كرامة الإنسان وتحقق النظام في آنٍ واحد.
وأخيرًا، تبقى الرسالة الأهم للجهات المعنية ومؤسسات رعاية الطفولة والشباب:
هذه الشريحة تحتاج إلى الاحتواء لا القهر، وإلى الفرص لا المطاردة، حتى لا يتحول ضيق الحياة إلى ضياع كامل لجيلٍ يُفترض أن يكون مستقبل هذا الوطن.
واقع نعيشه… ومسؤولية نتشاركها جميعًا.
احترامي…..



