مقالات الرأي

*نبض.. الواقع* ” *حين يغيب الضمير… من ينقذ واقعنا المرير؟ *  سعاد أم ارتقاء… ✍️

.

*نبض.. الواقع* ”

*حين يغيب الضمير… من ينقذ واقعنا المرير؟

*

سعاد أم ارتقاء… ✍️

 

لم تعد أزمة المؤسسات في بلادنا مرتبطة فقط بضعف الإمكانات أو تعقيد الإجراءات، بل أصبحت أزمة ضمير في المقام الأول. فحين يغيب الوازع الأخلاقي، تتسلل الرشوة في ثياب “التسهيلات”، ويتحول استغلال النفوذ إلى أمر اعتيادي، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن هذا الانحدار اليومي في القيم والسلوك الوظيفي.

في إحدى المؤسسات الحكومية، قصدتُ استخراج مستند رسمي عبر نظام “إيصالي”، غير أن تعطل الشبكة أعاق إكمال المعاملة. وبينما كنت أبحث عن حل، فوجئت بأحد الموظفين يطلب مبلغ مائة ألف جنيه مقابل إنهاء الإجراءات، رغم أن القيمة الحقيقية للإيصال لا تتجاوز اثنين وخمسين ألفاً. أي أن الموظف يجني ثمانية وأربعين ألف جنيه من كل مواطن مستعجل.

هكذا، وبكل بساطة، تتحول بعض المؤسسات إلى بيئة خصبة للرشوة، ويتحول الموظف من مؤتمن على خدمة الناس إلى مستغل لحاجاتهم وظروفهم. ويتناسى البعض قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي»، وهو تحذير صريح من جريمة تهدم القيم وتفسد المجتمعات.

فالمرتشي ليس مجرد موظف يطلب مالاً إضافياً، بل هو خائن للأمانة التي أُوكلت إليه، مستغل لمنصبه لتحقيق منفعة شخصية على حساب حق الناس وكرامتهم. والأسوأ من ذلك أن هذه الممارسات أصبحت تُمارس أحياناً بصورة علنية، وكأنها أمر طبيعي لا يستحق الاستنكار.

إن ما نعيشه اليوم يعكس أزمة أخلاقية ووطنية عميقة، تتداخل فيها عوامل عدة؛ من ضعف الرقابة الذاتية، وتراجع الوازع الديني، إلى غياب المهنية والإحساس بالمسؤولية. فالأمانة ليست شعارات تُرفع، وإنما سلوك يظهر في تفاصيل التعامل اليومي، وفي احترام المواطن، وإنجاز العمل بإخلاص وتجرد.

كما أن الفساد لا يقتصر على الموظف وحده، بل إن العميل أحياناً يصبح شريكاً في الانحراف عندما يلجأ إلى الرشوة لتسريع معاملته أو تجاوز الإجراءات. وهنا تتسع دائرة الخلل لتشمل المجتمع بأكمله، لأن السكوت عن الفساد أو التعايش معه يعني المساهمة في استمراره.

ولا يمكن تجاهل الأسباب الاقتصادية والمعيشية التي ساهمت في تفشي هذه الظواهر، وعلى رأسها ضعف المرتبات، وتراجع الحوافز والبدلات، إضافة إلى الإهمال الذي طال مؤسسات الدولة، ما أفقد الوظيفة العامة كثيراً من هيبتها ومكانتها.

لكن رغم كل ذلك، يبقى الإصلاح ممكناً إذا بدأ الإنسان بمراجعة نفسه والعودة إلى قيم الدين والأخلاق والعمل بإخلاص لخدمة البلاد والعباد. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالنزاهة والضمير الحي والاحترام المتبادل.

ولعل المقولة الشهيرة للإمام محمد عبده ما تزال تختصر المشهد بدقة حين قال: «ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلاماً بلا مسلمين، وعدت إلى الشرق فوجدت مسلمين بلا إسلام». وهي عبارة تحمل كثيراً من التأمل في قيمة الانضباط والصدق واحترام الوقت والحقوق.

وفي الختام، يبقى السؤال المؤلم: إلى متى نظل نبرر الفساد ونتعايش معه؟ ومتى يستيقظ الضمير في النفوس قبل أن تضيع القيم تماماً؟

قال تعالى:

«يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».

احترامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى