مقالات الرأي

التسول بحجة المرض.. رسالة في بريد وزير الصحة سعاد أم ارتقاء✍️ 

نبض الواقع

التسول بحجة المرض.. رسالة في بريد وزير الصحة

سعاد أم ارتقاء✍️

السيد وزير الصحة الاتحادي..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا يختلف اثنان على أن وزارة الصحة واجهت خلال السنوات الماضية تحديات جسامًا فرضتها ظروف الحرب الاستثنائية ومع ذلك واصلت أداء رسالتها الوطنية بكل ما تملك من إمكانات، سعيًا إلى الحفاظ على استقرار القطاع الصحي وخدمة المواطن. وهي جهود تستحق الإشادة والتقدير.

غير أن هناك ظاهرة أخذت في الاتساع، وأصبحت تستدعي تدخلاً عاجلاً، تتمثل في التسول بحجة المرض وتكاليف العلاج. فقد أصبح المواطن يقف حائرًا بين صاحب الحاجة الحقيقي وبين من اتخذ المرض وسيلة لاستدرار العطف وجمع الأموال.

في إحدى رحلات السفر عبر حافلة سياحية، لم تمضِ دقائق حتى صعد أحد الأشخاص يروي قصة مؤثرة عن مريض يحتاج إلى دواء منقذ للحياة، ثم أعقبه آخر، ثم ثالث، حتى قال أحد الركاب متحسرًا: “هل أصبحت الحافلة ديوان زكاة؟”. كانت عبارة تختصر حجم الظاهرة التي تجاوزت حدود التعاطف الإنساني إلى حالة من الإرباك وفقدان الثقة.

سيدي الوزير..

إن استغلال المرض وارتفاع أسعار الأدوية ذريعةً للتسول لا يهدد الأمن المجتمعي فحسب، بل يشوه أيضًا قيم التكافل السوداني الأصيلة، ويجعل المحتاج الحقيقي أول المتضررين من انتشار الاحتيال.

ولعل مواجهة هذه الظاهرة تتطلب حزمة من الإجراءات العملية، في مقدمتها إحكام الرقابة على أسعار الأدوية وتوفير البدائل العلاجية، وتشديد الرقابة على الصيدليات لمنع التلاعب بأسعار الأدوية المنقذة للحياة، إلى جانب التحول إلى الربط الرقمي للروشتات الطبية لمنع تزويرها أو استخدامها في جمع التبرعات من أكثر من جهة، مع إلزام الأطباء بتحديد مدة صلاحية واضحة للوصفات الطبية، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة.

كما أن التوسع في منافذ العلاج المجاني وتعزيز مظلة التأمين الصحي، وتفعيل مكاتب الخدمة الاجتماعية داخل المستشفيات من شأنه أن يضمن وصول العلاج إلى مستحقيه ويغلق الباب أمام المتاجرين بآلام المرضى

ولا يقل أهمية عن ذلك التنسيق بين وزارة الصحة والشرطة والأجهزة المختصة والإعلام لإطلاق حملات رقابية وتوعوية، تُعرّف المواطنين بالقنوات الرسمية الموثوقة للتبرع الدوائي بدلاً من التبرعات العشوائية في الشوارع والمواقف العامة بما يحفظ كرامة المحتاج الحقيقي ويحد من عمليات الاحتيال.

نبض واقعي

في كثير من الدول يُعد التسول المنظم جريمة يعاقب عليها القانون، لا سيما إذا ارتبط بشبكات تستغل المرض أو الإعاقة لتحقيق مكاسب غير مشروعة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تشريعات رادعة تميز بين المحتاج الحقيقي والمحتال لأن سيادة القانون هي الضامن الأول لحماية المجتمع.

واقع قبل الأخير

إن معالجة هذه القضية لا تقع على عاتق وزارة الصحة وحدها، بل تتطلب ملتقى وطنيًا يضم الجهات العدلية والأمنية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لوضع رؤية مشتركة تجفف منابع الظاهرة، وتحاصر شبكات الاحتيال، وتكفل وصول الدعم إلى مستحقيه بكل شفافية وعدالة.

ختاماً

السودان اليوم يخوض معارك متعددة من أجل التعافي وإعادة البناء، ولا سبيل إلى النجاح إلا بتكامل الأدوار، بحيث يؤدي كل طرف مسؤوليته بإتقان وإخلاص. وعندما نغلق منافذ الاستغلال ونصون كرامة المواطن، فإننا نعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ونحبط كل من يسعى إلى تشويه صورة مجتمعنا المتكافل.

نسأل الله أن يوفقكم ويسدد خطاكم، وأن يحفظ السودان وأهله، وأن يجعل الصحة والأمن والكرامة حقًا لكل مواطن.

والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى