مقالات الرأي

إشراقات الجمعة انتصار جعفر الكذب.. حين تهتز الثقة وتضيع مساحة الأمان

إشراقات الجمعة

انتصار جعفر

 

الكذب.. حين تهتز الثقة وتضيع مساحة الأمان

الكذب بمختلف درجاته وصوره، والبيئة التي ينشأ فيها الشخص الذي اعتاد الكذب ليس مجرد سلوك عابر يمكن تجاوزه بسهولة بل قد يكون مؤشراً على خلل في طريقة تعامله مع نفسه ومع الآخرين. وقد يرتبط أحياناً بعدم قدرته على التعايش السلمي مع واقعه، أو عدم امتلاكه الوعي الكافي لفهم طبيعة الحياة وما تفرضه من مسؤوليات ومواقف تحتاج إلى الصراحة والشجاعة والقدرة على مواجهة الأخطاء.

فالكذب قد يمنح صاحبه راحة مؤقتة وربما يخرجه من موقف محرج أو يؤجل مواجهة حقيقة لا يريد الاعتراف بها، لكنه في المقابل يترك آثاراً عميقة عندما تنكشف الحقيقة وهي غالباً ما تنكشف عاجلاً أم آجلاً. وقد تتسبب حينها في موقف صعب أو نقاش مؤلم، أو فقدان ثقة يصعب استعادتها.

والحقيقة، مهما كانت قاسية تظل أكثر قدرة على بناء علاقات مستقرة من الكذب لأن الصدق يضع الأمور في مكانها الصحيح بينما الكذب يحتاج دائماً إلى كذبة أخرى تحميه حتى يجد الإنسان نفسه محاصراً في سلسلة من الروايات المتناقضة التي يصعب عليه تذكر تفاصيلها أو الدفاع عنها.

وعندما يكذب الطفل فإن وراء الكذبة في كثير من الأحيان مشكلة تحتاج إلى الفهم قبل العقاب. فقد يكون الطفل خائفاً من العقوبة أو لا يشعر بالأمان أو يخشى غضب والديه أو سبق أن تعرض للعنف أو الإهانة عندما قال الحقيقة. وهنا قد يتعلم، بصورة غير مباشرة أن الصدق ليس آمناً، وأن الكذب وسيلة لحماية من العقاب.

لذلك فإن مسؤولية الأسرة لا تتمثل فقط في مطالبة الأبناء بالصدق وإنما في خلق بيئة يشعر فيها الطفل أن الاعتراف بالخطأ لن يحوله إلى شخص مرفوض أو مهان. فالطفل الذي يجد الأمان في أسرته يكون أكثر قدرة على قول الحقيقة حتى عندما يخطئ بينما الطفل الذي يخاف من ردود الأفعال قد يتقن إخفاء أخطائه بدلاً من إصلاحها.

والكذب بين الزوجين أكثر خطورة لأنه يمس أساس العلاقة الزوجية وهي الثقة والأمان والمشاركة. فعندما تتكرر الأكاذيب تبدأ الشكوك في التراكم ويزداد الخلاف وقد تتحول العلاقة تدريجياً من مساحة للحوار والدعم إلى مساحة للمراقبة والاتهام والبحث عن الأدلة. وما أصعب أن يعيش شخصان تحت سقف واحد بينما يفقد أحدهما الشعور بالأمان تجاه الآخر.

أما كذب الوالدين على الأبناء أو الأبناء على الوالدين فإنه يضعف التواصل الأسري ويجعل كل طرف يعيش في مساحة من الحذر وعدم اليقين. والأسرة التي تفقد الصراحة تفقد معها جزءاً مهماً من قدرتها على احتواء أزماتها وحل مشكلاتها.

والشخص الذي يمارس الكذب بصورة مستمرة يعيش في حالة من التوتر الدائم لإخفاء الحقيقة وقد يستخدم روايات متناقضة ويجد نفسه مضطراً إلى اختراع كذبة جديدة لتغطية كذبة سابقة. ومع مرور الوقت يصبح الكذب سلوكاً متكرراً وربما يتحول إلى عادة يصعب التخلص منها فتتآكل الثقة من حوله شيئاً فشيئاً.

وعندما يدخل الكذب إلى الأسرة، يصبح الأمر أكثر خطورة لأن الأسرة تقوم في جوهرها على الثقة والأمان والمشاركة. ومن هنا تظهر مسؤولية الأسرة في بناء بيئة تسمح بالاعتراف بالخطأ دون خوف وتعلّم أبناءها أن الخطأ يمكن إصلاحه وأن الاعتذار لا يقلل من قيمة الإنسان وأن مواجهة الحقيقة مهما كانت مؤلمة أفضل من الهروب منها.

والأمر لا يتوقف عند حدود الأسرة فالكذب الفردي إذا أصبح سلوكاً مقبولاً أو شائعاً يمكن أن يتحول إلى أزمة اجتماعية تمتد إلى العلاقات بين الناس وأماكن العمل وفصول وقاعات الدراسة والتعاملات اليومية. وعندما تتراجع قيمة الصدق تتراجع معها الثقة العامة ويصبح الناس أكثر شكاً وحذراً في تعاملاتهم فيضعف التعاون ويزداد التوتر ويخسر المجتمع واحدة من أهم القيم التي تحفظ تماسكه.

إن الصدق ليس مجرد أن تقول الحقيقة بل هو قيمة أخلاقية تبني الثقة، وتحمي العلاقات وتمنح الإنسان شعوراً بالأمان والراحة النفسية. والصدق لا يعني أن الإنسان لا يخطئ فكل بني آدم خطاء وإنما يعني أن يمتلك الإنسان الشجاعة للاعتراف بخطئه وتصحيحه والاعتذار عنه والتعلم من تجربته.

كما أن الصراحة لا تعني القسوة، والصدق لا يعني أن نقول كل شيء بطريقة جارحة فالصدق يمكن أن يكون رحيماً والكلمة الصادقة يمكن أن تحمل معها الاحترام وحفظ مشاعر الآخرين. والمطلوب ليس مجتمعاً مثالياً لا يخطئ فهذا أمر غير واقعي وإنما مجتمع يعرف أفراده كيف يواجهون أخطاءهم بشجاعة وكيف يحولون الخطأ إلى درس والاعتذار إلى إصلاح والحقيقة إلى طريق لاستعادة الثقة..

 

إشراقة أخيرة..

 

الصدق أمان!!

 

إن حماية الأسرة والمجتمع من آثار الكذب لا تعني البحث عن مجتمع لا يخطئ فهذا غير واقعي وإنما تعني بناء مجتمع يستطيع أفراده الاعتراف بأخطائهم وتصحيحها والاعتذار عنها والتعلم منها.

فالحقيقة قد تؤلمنا للحظة لكن الكذب قد يؤلمنا طويلاً.. والصدق ربما يضعنا أمام موقف صعب لكنه في النهاية يمنحنا راحة الضمير ويحفظ لنا ثقة من حولنا.

فلنعلّم أبناءنا أن الخطأ يمكن إصلاحه وأن الحقيقة مهما كانت صعبة تظل أكرم وأبقى من كذبة تمنحنا راحة مؤقتة وتترك خلفها جرحاً عميقاً.

الشيخ فرج ود تكتوك عندو مقولة شهيرة وهي (الصدق كان َمانجاك….. الكذب مابنجيك).

 

نصر من الله وفتح قريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى