مقالات الرأي

نبض… الواقع السامراب… من وجع الحرب إلى أفراح العودة ✍️ سعاد أم ارتقاء

نبض… الواقع

السامراب… من وجع الحرب إلى أفراح العودة

✍️ سعاد أم ارتقا

ليست كل عودة تُقاس بالمسافات، فهناك عودة تُقاس بحجم الشوق، وبعدد الدموع التي تسبق الابتسامة. هكذا كانت العودة إلى السامراب بعد ثلاثة أعوام من الغياب القسري الذي فرضته الحرب والنزوح. سنوات ثقيلة تركت آثارها على البيوت والوجوه والذاكرة، لكنها لم تستطع أن تنتزع الانتماء من القلوب.

حين وطئت قدماي أرض السامراب، لم أجد مجرد حيٍّ يستقبل أبناءه، بل وجدت وطنًا صغيرًا يستعيد نبضه. كانت الشوارع تنبض بالحركة، والوجوه تفيض بالمحبة، والأبواب تُفتح قبل أن تُطرق، وكأن الجميع يعلن أن الحياة أقوى من الحرب، وأن الأمل لا ينكسر مهما اشتدت المحن.

صحيح أن الحرب خلّفت دمارًا طال المنازل والمرافق، وأن آثارها لا تزال ماثلة للعيان، لكن إرادة الأهالي كانت أقوى من الخراب. فقد بادروا إلى تنظيف أحيائهم، وإحياء بيوتهم، واستعادة تفاصيل الحياة اليومية، مؤكدين أن البناء يبدأ بإرادة الإنسان قبل أن يبدأ بالحجر.

وخلال الأسبوعين الماضيين، لم تكن لقاءاتي بأهل الحي مجرد زيارات عابرة، بل كانت لحظات امتزجت فيها دموع الفرح بمرارة الفقد. رجال ونساء، شباب وشيوخ، يتعانقون بعد طول غياب، ويتبادلون الدعوات والابتسامات، بينما تحضر في القلوب أسماء الذين رحلوا قبل أن يشهدوا هذه العودة.

ومن أجمل المشاهد التي عكست انتصار الحياة على آثار الحرب، احتفال أهالي السامراب، يوم الجمعة الموافق 24 يوليو 2026، بزفاف الشابين نايل على عروسه راوية، ومحمد “حمادة” على عروسه من شرق النيل. اجتمعت الأسرتان وسط الأهل والجيران والأصدقاء، وتعالت الزغاريد، في رسالة بليغة تؤكد أن الحرب، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تُطفئ جذوة الفرح في نفوس الناس.

ولعل ما يميز السامراب ليس عودة سكانها فحسب، وإنما الروح التي حافظت على تماسكها طوال سنوات المحنة. فقد جسّد أهلها أروع صور التكافل، وتقاسموا لقمة العيش، ووقفوا صفًا واحدًا في مواجهة الخوف، وحافظوا على قيم الشهامة والتراحم التي ظل المجتمع السوداني يعرف بها عبر تاريخه.

إن العودة إلى الديار ليست نهاية رحلة النزوح، بل بداية مرحلة جديدة من العمل والمسؤولية. مرحلة تتطلب ترسيخ الأمن، ودعم جهود الإعمار، وإحياء روح التعاون، لأن الأوطان لا يبنيها فرد، وإنما تنهض بسواعد جميع أبنائها.

تحية لكل من عاد إلى منزله بعد سنوات الغياب، ورحمة واسعة على أرواح الذين رحلوا قبل أن يروا هذه اللحظة. ستبقى بعض البيوت صامتة بعد أن غاب أصحابها، وستظل الذكريات حاضرة في كل زاوية، لكن السامراب أثبتت أن المدن التي يسكنها الأوفياء لا تموت، وأن الإنسان السوداني قادر على النهوض كلما ظن الآخرون أنه انكسر.

 

؛؛ واقع اخير؛؛

ستظل السامراب رمزًا للصمود، وعنوانًا للتكاتف، ورسالةً مفتوحة للأمل، تؤكد أن ما هدمته الحرب يمكن أن تعيده إرادة الناس، وأن الفرح، مهما تأخر، لا بد أن يجد طريقه إلى البيوت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى