مقالات الرأي

*همس البوادي* *شبكات الترويج في قبضة الحقيقة: منبر الشرطة يكشف أبعاد خطرالمخدرات* ✍️ سعاد سلامة

*همس البوادي*

*شبكات الترويج في قبضة الحقيقة: منبر الشرطة يكشف أبعاد خطرالمخدرات*

✍️ سعاد سلامة

لم تعد المخدرات في السودان مجرد ظاهرة هامشية تُعالج في تقارير عابرة بل تحوّلت إلى معركة وجود تُخاض بصمتٍ على جبهات مفتوحة داخل المجتمع، حيث لا يُسمع دويّها كما في الحروب لكنها تترك خلفها خراباً أعمق وأشد قسوة إنها حرب تستهدف العقول قبل الأجساد وتضرب في أخطر ما تملكه الأوطان شبابها

الأرقام التي كشفت عنها قوات الشرطة لا تُقرأ بوصفها إحصاءات جامدة بل باعتبارها إنذاراً صارخاً يضع الجميع أمام مسؤولياته فخلال العام 2025م تم تسجيل (9,586) بلاغاً جنائياً في قضايا المخدرات مع إلقاء القبض على (11,239) متهماً هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الانتشار بل تكشف عن نشاط متصاعد لشبكات منظمة تعمل بعقلية احترافية وتتحرك بمرونة عالية بين التهريب والترويج مستهدفةً مفاصل المجتمع الحيوية

وفي منبر الشرطة الدوري الذي انعقد بمقر إدارة السجون بالخرطوم لم تكن الكلمات بروتوكولية أو عابرة بل جاءت محمّلة بقلقٍ حقيقي وإدراكٍ عميق لحجم الخطر حيث أطلق الفريق شرطة عبدالفتاح عثمان ممثل مدير عام الشرطة نداءً واضحاً لا يحتمل التأويل مؤكداً أن معركة المخدرات لم تعد مسؤولية جهاز بعينه بل قضية وطن بأكمله وأشار إلى أن المواجهة الأمنية رغم قوتها لن تكون كافية ما لم تُسنَد بوعيٍ مجتمعي حيّ قائلاً بمعنى يتجاوز النص إن الأمن لم يعد مهمة رسمية فقط بل أصبح سلوكاً يومياً ومسؤولية مشتركة تبدأ من البيت وتمتد إلى الشارع والمؤسسات كما شدد على أن الشرطة ماضية في ملاحقة هذه الشبكات بلا هوادة عبر خطط محكمة تستهدف تجفيف منابع التهريب وضرب أوكار الترويج في عمقها

وفي ذات السياق، جاء حديث وزير الثقافة والإعلام والسياحة الطيب سعدالدين محمّلاً بجرس إنذار أخلاقي ومجتمعي إذ وضع المخدرات في مصاف التهديدات الكبرى التي لا تقل خطورة عن الحروب بل ربما تفوقها أثراً لأنها تتسلل دون ضجيج وأكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تعاطي المخدرات بل في قدرتها على تفكيك البنية القيمية للأسر وضرب استقرارها من الداخل داعياً إلى ثورة وعي شاملة تقودها المؤسسات الإعلامية والتربوية وتدعمها الأسرة باعتبارها الحصن الأول في مواجهة هذا الانهيار الصامت

أما اللواء دكتور الخواض الشامي مدير العلاقات العامة والإعلام فقد كشف عن جانب أكثر تعقيداً في المشهد مشيراً إلى أن الضبطيات الأخيرة أظهرت تطوراً لافتاً في أساليب شبكات التهريب التي باتت تعتمد على التخفي والتكيّف مع الضربات الأمنية في محاولة لإعادة تشكيل نفسها باستمرار وهو ما يعكس كما أوضح أن المواجهة لم تعد تقليدية بل تتطلب أدوات أكثر ذكاءً وتنسيقاً عالياً بين الأجهزة المختلفة

وفي تحذير لا يقل خطورة نبّه اللواء طارق عبدالله مدير تأمين الجامعات إلى أن المؤسسات التعليمية التي يُفترض أن تكون منارات للوعي أصبحت هدفاً مباشراً لهذه الشبكات وأوضح أن العصابات تعمل بأساليب مدروسة لاختراق الأوساط الطلابية مستغلةً هشاشة بعض البيئات وساعيةً إلى تحويل الطلاب من ضحايا إلى أدوات داخل دائرة الترويج في محاولة لضرب المجتمع في عمقه الاستراتيجي

هذه الشهادات مجتمعة لا ترسم فقط صورة مقلقة بل تكشف عن ملامح معركة معقّدة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاجتماعية والثقافية فالمخدرات لم تعد مجرد سلعة محرّمة بل تحوّلت إلى سلاح ناعم يُستخدم لإضعاف المجتمعات من الداخل عبر تفكيك الوعي وإعادة إنتاج الانهيار جيلاً بعد جيل

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس انتشارها فحسب، بل قدرتها على إعادة تدوير نفسها حيث يتحول الضحية إلى مروّج والمستهدف إلى أداة في دائرة مغلقة لا تنكسر إلا بوعيٍ حقيقي وإرادة جماعية لذلك فإن المعركة لا تُحسم بحملات الضبط وحدها بل تبدأ من بناء الإنسان وتعزيز المناعة الفكرية وترسيخ قيم الرفض داخل الأسرة والمدرسة والجامعة.

فاصلة

السودان اليوم أمام اختبار صعب ليس في قدرته على ملاحقة الجريمة فحسب بل في قدرته على حماية مستقبله من التآكل الصامت إنها معركة ضد عدو لا يُرى لكنه يتغلغل في التفاصيل اليومية ويستهدف أهم ما نملك. والانتصار فيها لن يكون بالسلاح وحده بل بوحدة الصف وصدق الرسالة ويقظة الضمير الجمعي

فحين ينتصر الوعي تُهزم السموم

اللهم أمنا في أوطاننا واحفظ أبناءنا من كل سوء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى