مقالات الرأي

من يحكم السودان فعلياً؟ رشان أوشي 

من يحكم السودان فعلياً؟

رشان أوشي

 

قرارات رئيس مجلس السيادة بشأن الوقود والسلع الاستهلاكية سليمة وصحيحة في جوهرها، وستسهم في تحقيق قدر من الوفرة، بما يضع التجار أمام واقع مختلف، ويدفعهم إلى مراجعة أسعارهم نحو مستويات منطقية. فالندرة ترفع الأسعار، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. لكن المشكلة لا تكمن في صحة القرارات وحدها، بل في السؤال الأهم: كيف وصل الأمر برئيس مجلس السيادة إلى التدخل لمعالجة إشكالات تنفيذية يفترض أن تقع ضمن صميم اختصاصات الحكومة ورئيس الوزراء؟ والأهم من ذلك، لماذا لا يتم محاسبة الجهات التي أوصلت الأوضاع إلى هذه المرحلة، واضطرت رأس الدولة إلى التدخل لسد فراغ تنفيذي واضح؟

 

ليس من المنطق أن يتحول التدخل من أعلى هرم السلطة إلى بديل عن المؤسسات التنفيذية، أو أن تصبح القرارات الاستثنائية وسيلة لمعالجة إخفاقات تتكرر من دون مساءلة. فالمطلوب ليس الاكتفاء بإطفاء الحرائق، وإنما تحديد المسؤولين عن إشعالها، ومحاسبتهم، وضمان عدم تكرارها.

 

العقلانيون يدركون أن إقالة رئيس الوزراء في هذه المرحلة ليست خيار سهل، ولا قرار يمكن التعامل معه باعتباره استبدال موظف بآخر تتوافر البدائل لشغل موقعه. فرئاسة الوزراء في الظروف الراهنة منصب بالغ الحساسية، تتصل مسؤولياته بملفات داخلية وخارجية، ويرتبط باعتبارات سياسية ودبلوماسية وقانونية. ومن ثم، فإن تغيير شاغل المنصب قد تترتب عليه تعقيدات تتجاوز حدود التعديل الحكومي المعتاد.

 

لكن صعوبة الإقالة لا تعني استحالة الإصلاح. كان الأجدى أن تكون الرسالة الموجهة إلى رئيس الوزراء واضحة: أعد النظر في طاقمك التنفيذي، وأجر إصلاحات جذرية في بنية الحكومة، واستعد زمام المبادرة، واتخذ قراراتك بنفسك، على أن يوفر لك مجلس السيادة الغطاء السياسي اللازم لتنفيذها. أما أن يتولى الآخرون اتخاذ القرارات نيابة عنه، أو أن يتدخل رئيس مجلس السيادة كلما تعثرت الحكومة، فذلك لا يعالج الأزمة من جذورها، بل يمنحها جرعة مؤقتة من الاستقرار، قبل أن تعود أكثر تعقيداً.

 

خلال الفترة الماضية، حاولت استطلاع الأوضاع داخل مكتب رئيس الوزراء، بحثاً عن إجابات لأسئلة ظلت عالقة في أذهان السودانيين، وفي مقدمتها: لماذا يبدو الدكتور كامل إدريس، كلما تفاقمت أزمة، عاجزاً عن إظهار الحزم والمبادرة اللذين يتطلبهما موقعه؟ ولماذا تتراجع صورته السياسية كلما احتاج الشارع إلى قيادة واضحة تتحمل المسؤولية وتعلن موقفها بوضوح؟

 

ما توصلت إليه من معلومات، وفق مصادر تحدثت إلي، يشير إلى أن الدكتور كامل إدريس، على الرغم من خلفيته العلمية وخبراته السابقة وتوليه مناصب ذات أهمية دولية، يواجه إشكالية في إدارة محيطه السياسي والتنفيذي، وأن مساحة تأثيره داخل مكتبه قد لا تتناسب مع سلطاته الرسمية.

 

فالرجل، بحسب هذه المعلومات، تحيط به دائرة من المستشارين والمقربين، تبدو قدرتها على التأثير في قراراته أكبر مما ينبغي، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول طبيعة صناعة القرار داخل رئاسة الوزراء، والجهة التي تملك الكلمة الأخيرة في الملفات المهمة.

 

ويبرز في هذا السياق اسم المستشار البروفيسور حسين الحفيان، الذي تشير المعلومات التي حصلت عليها إلى أنه يؤدي دوراً محورياً في توجيه رئيس الوزراء، وأن بعض التوصيات والترتيبات الأخيرة التي أضعفت صورته العامة ارتبطت بالدائرة المحيطة به.

 

وبحسب المعلومات ذاتها، تجمع الحفيان بالدكتور كامل إدريس صداقة قديمة وعلاقة مودة ممتدة، سبقت تولي الأخير رئاسة الوزراء. وعندما أُبلغ إدريس باختيار مجلس السيادة له لتولي رئاسة الحكومة في مرحلة الحرب، ظهر الحفيان الى جواره، كما تفيد المعلومات بأن الحفيان تربطه صلة قرابة برئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن البرهان هو حلقة الوصل بينه وبين إدريس.

 

وعقب وصول الدكتور كامل إدريس وأدائه القسم، برز الحفيان، وفق ما توفر لدي من معلومات، بوصفه أحد أبرز الفاعلين في تشكيل الحكومة الجديدة، إذ تولى ترشيح عدد كبير من الأسماء التي تشغل مواقع وزارية حالياً، باستثناء وزراء الحركات المسلحة. ومع مرور الوقت، لم يعد دوره، بحسب هذه الرواية، محصور في تقديم المشورة، بل امتد إلى ملفات متعددة تشمل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية.

 

وتذهب المعلومات إلى أن طبيعة المهام التي يضطلع بها الحفيان تقترب، في بعض جوانبها، من أدوار المبعوث الخاص، بينما يظل توصيفه الرسمي في الهيكل الحكومي هو المستشار. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تتناسب الصلاحيات الفعلية التي يمارسها بعض المستشارين مع مواقعهم الرسمية؟ وأين تنتهي المشورة ويبدأ اتخاذ القرار؟.

 

هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، ولا تمثل حكماً مسبقاً على وطنية أي مسؤول أو نواياه، لكنها تتصل مباشرة بحق السودانيين في معرفة الكيفية التي تدير دولتهم، والجهات التي تؤثر فعلياً في قراراتها.

 

إن جوهر الأزمة لا يتعلق بشخص رئيس الوزراء وحده، وإنما بمنظومة كاملة تتداخل فيها الصلاحيات الرسمية مع شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية، بحيث يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين القرار المؤسسي والتوجيه الصادر عن دوائر غير معلنة. وعندما تتقدم هذه الشبكات على المؤسسات، وتتراجع المساءلة أمام الولاءات والعلاقات، فإن الدولة تفقد تدريجياً قدرتها على الإدارة الرشيدة، مهما امتلك شاغلو المناصب من مؤهلات وخبرات.

 

ما نشهده اليوم يعبر حقيقة من محاولة ترسخ نموذج الدولة الزبائنية؛ الدولة التي تتوزع فيها مراكز التأثير بين مجموعات المصالح والأفراد، وتتم ادارة بعض ملفاتها عبر قنوات تتجاوز التسلسل الرسمي، بينما تعجز مؤسساتها عن أداء وظائفها الطبيعية.

 

والنتائج أمامكم، ولا تحتاج إلى كثير من التجميل: أزمات متكررة، وقرارات يتم اتخاذها تحت الضغط، ومسؤوليات تتوزع بين أطراف متعددة، بينما تغيب المحاسبة الواضحة. وعندما يتعثر ملف الوقود، يتدخل رئيس مجلس السيادة. وعندما تتفاقم أزمة أخرى، تتجه الأنظار إلى الرئاسة بحثاً عن حل جديد. أما الحكومة التي يفترض أن تدير هذه الملفات، فتبدو في كثير من الأحيان عاجزة.

 

ليس المطلوب أن يتخلى رئيس مجلس السيادة عن دوره في حماية استقرار الدولة، ولا أن يترك رئيس الوزراء بلا سند سياسي، وإنما المطلوب أن يعود كل مستوى من مستويات السلطة إلى اختصاصاته المحددة، وأن يتحمل كل مسؤول تبعات قراراته وإخفاقاته. فالتدخل الاستثنائي قد يكون ضرورياً في لحظة معينة، لكنه لا يصلح أساس دائم للحكم.

 

فالمشكلة ليست فقط في من يجلس على الكرسي، بل في من يملك القرار فعلياً، ومن يحاسبه عندما يخطئ. تلك هي المسافة الفاصلة بين دولة المؤسسات والدولة الزبائنية.

محبتي واحترامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى