مقالات الرأي

إشراقات.  انتصار جعفر.  الجيش السوداني.. 72 عاماً من العطاء والعزة والكرامة. 

إشراقات.

 

انتصار جعفر.

 

الجيش السوداني.. 72 عاماً من العطاء والعزة والكرامة.

 

احتفلت البلاد أمس بعيد الجيش السوداني الباسل وذكرى تأسيسه الذي يمر هذا العام باثنين وسبعين عاماً من العطاء الوطني النبيل في حماية الأرض والعِرض والذود عن حياض الوطن تحت شعار «جيش منتصر وشعب مقتدر»، وهو شعار لم يكن مجرد كلمات تُرفع في المناسبات بل جسّده الجيش السوداني واقعاً في ميادين القتال وساحات التضحية والفداء.

واحتفلت الأمة السودانية بجيشها العظيم صاحب الصولات والجولات في ميادين القتال لأكثر من قرن داخل البلاد وخارجها حيث ظل حاضراً في العديد من المحطات الإقليمية مقدماً أدواراً مشهودة إلى جانب الأشقاء في حرب أكتوبر وسيناء وفي الكويت وغيرها من المواقف التي سطر فيها الجندي السوداني صفحات مضيئة من البذل والتضحية فضلاً عن إسهامات الضباط والخبرات السودانية في تدريب وتأسيس القوات المسلحة في عدد من الدول العربية والأفريقية.

ويأتي الاحتفال بعيد الجيش هذا العام والبلاد تشهد تطورات ميدانية وسياسية مهمة فيما تمضي القوات المسلحة بخطوات ثابتة نحو استعادة الأمن والسيادة وتطهير الأراضي التي دنستها عصابات الميليشيا المتمردة وتحقق تقدماً وانتصارات متتالية في محاور القتال ولا سيما في إقليم كردفان. ومع كل انتصار تتجدد الآمال في اقتراب ساعة الأمن والاستقرار ويبقى اليقين بأن الحق لا بد أن ينتصر وأن الباطل إلى زوال.

وتزامن الاحتفال بعيد الجيش مع مباشرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عمله من داخل مكتبه بالقصر الجمهوري في مشهد يتجاوز البعد البروتوكولي إلى دلالة وطنية وتاريخية عميقة.

فالقصر الجمهوري ليس مجرد مبنى حكومي وإنما شاهد على مراحل متعاقبة من تاريخ السودان السياسي والوطني وارتبط اسمه بقرارات ومواقف ومحطات شكلت جزءاً من ذاكرة الدولة السودانية. ولذلك فإن عودة رئيس مجلس السيادة لممارسة مهامه من داخل القصر تحمل رسالة رمزية واضحة مفادها أن مؤسسات الدولة ماضية في استعادة عافيتها وأن الدولة السودانية رغم ما أصابها من جراح ودمار ما زالت حاضرة وقادرة على النهوض واستعادة مؤسساتها ومواقعها ورمزيتها.

والقصر الجمهوري في هذا التوقيت تحديداً يمثل رمزاً لاستعادة هيبة الدولة ومؤسساتها ليس باعتباره مقراً للحكم فحسب وإنما باعتباره عنواناً للسيادة الوطنية وذاكرةً تختزن تاريخ السودان الحديث ولذلك فإن العودة إليه تحمل في طياتها رسالة بأن السودان يستعيد شيئاً فشيئاً ملامح دولته ومؤسساته وأن القادم ـ بإذن الله ـ سيكون مرحلة بناء واستقرار.

إن فتح أبواب القصر الجمهوري من جديد لممارسة العمل الرسمي يحمل كذلك معنى العودة التدريجية للحياة الطبيعية ويبعث برسالة طمأنينة للشعب السوداني بأن مرحلة الحرب مهما طال أمدها لن تكون نهاية الدولة وأن الخراب يمكن أن يتحول إلى إعمار والدمار إلى بناء والانقسام إلى وحدة وطنية.

وفي هذا السياق جاء خطاب رئيس مجلس السيادة بمناسبة عيد الجيش شاملاً حاملاً دعوة واضحة إلى اللحمة الوطنية وفتح حوار سوداني ـ سوداني داخل السودان يجمع أبناء الوطن كافة دون إقصاء أو تهميش لأي مكون أو جهة انطلاقاً من أن السودان بعد الحرب يحتاج إلى توحيد الصفوف وترميم النسيج الاجتماعي وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والجهوية والشخصية.

وهذه في تقديري رسائل عملية تؤكد أن معركة الدولة لا تقتصر على الميدان العسكري وإنما تمتد إلى إعادة بناء مؤسساتها وتوفير الأمن وتهيئة الظروف للعودة الطوعية وإعادة الإعمار وفتح أبواب الحياة أمام ملايين السودانيين الذين أنهكتهم الحرب والنزوح واللجوء.

وقد بدأ السودان يستعيد حضوره رغم آثار الحرب الثقيلة ويستعيد شيئاً من عافيته، ويسجل حضوراً متنامياً في محيطه الإقليمي والدولي. ومن المؤشرات اللافتة في هذا الاتجاه ما شهدته اجتماعات منظمة (إيساف) في أوغندا امس الجمعة من تولي السودان رئاسة المنظمة لعام 2027م بالإجماع مع إعلان عقد الاجتماعات المقبلة في السودان وما صاحب ذلك من إشادة بالتطورات الأمنية والجهود المبذولة نحو الاستقرار.

وهذه التطورات تؤكد أن السودان رغم كل ما مر به لم يفقد مكانته أو قدرته على استعادة دوره وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من العمل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي بالتوازي مع استكمال معركة استعادة الأمن والاستقرار.

وقد تسابق أبناء الشعب السوداني بمختلف مكوناتهم ورموزهم وشرائحهم إلى تهنئة القوات المسلحة بعيدها تعبيراً عن الفخر والاعتزاز بجيشهم الوطني الذي ظل حاضراً في وجدان الشعب السوداني.

ومن الكلمات التي استوقفتني وأسعدتني حديث الدكتور جبريل إبراهيم قائد حركة العدل والمساواة عن ضرورة دمج القوات المختلفة لتكون جيشاً واحداً يحمي السودان وأهله كافة.

نعم هذه هي إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تكون حاضرة في مرحلة ما بعد الحرب فالسودان يحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية واحدة قوية ومتماسكة تضم أبناء الوطن كافة وتكون مهمتها الأساسية حماية الدستور والسيادة الوطنية والحدود والشعب بعيداً عن الاستقطاب السياسي والجهوي..

 

إشراقة أخيرة.

 

جيش السودان الباسل !!

 

ظل الجيش السوداني عبر تاريخه الطويل بوتقة انصهرت فيها مختلف أطياف وقبائل الشعب السوداني وكان واحداً من أهم المؤسسات التي جمعت أبناء الوطن تحت راية واحدة. وحتى قبل انفصال جنوب السودان كان أبناء الجنوب جزءاً من صفوف القوات المسلحة، يؤدون واجبهم الوطني جنباً إلى جنب مع إخوانهم من أبناء الشمال والشرق والغرب والوسط.

وهكذا ظل الجيش واحداً من أهم روافع الوحدة الوطنية لأنه جعل الانتماء للسودان هو الجامع الأكبر ورسخ في نفوس أجياله أن الوطن أكبر من القبيلة والجهة والمكون.

والجيش السوداني من أعرق وأقوى الجيوش في المنطقة العربية والأفريقية وله تاريخ طويل من المشاركات والتضحيات. كما ظلت الكلية الحربية السودانية مصنعاً للرجال وعريناً للأبطال ولم يقتصر دورها على تدريب وتأهيل الضباط السودانيين بل تخرج فيها أيضاً ضباط من دول عربية وأفريقية تولى بعضهم لاحقاً مواقع قيادية عليا في مؤسسات بلادهم.

إن القوات المسلحة السودانية ليست مجرد مؤسسة عسكرية وإنما جزء أصيل من تاريخ الدولة السودانية ووجدان شعبها وهي إحدى ركائز الأمن والاستقرار وحماية السيادة الوطنية.

واليوم وبعد هذه الحرب القاسية فإن السودان في حاجة إلى جيش وطني موحد قوي ومهني تتجمع تحت رايته كل القوات ويكون ولاؤه للسودان وحده لتبدأ بعد ذلك معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة الميدان معركة البناء والإعمار واستعادة ما دمرته الحرب وإعادة النازحين واللاجئين وترميم النسيج الاجتماعي وبناء سودان آمن ومستقر.

في عيد الجيش التحية لكل جندي وضابط قدم روحه فداءً للوطن والتحية لأسر الشهداء والجرحى والمصابين ولكل من ظل واقفاً في الصف دفاعاً عن السودان.

كل عام والقوات المسلحة السودانية بخير وكل عام والسودان أكثر أمناً ووحدةً واستقراراً.

نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى