إشراقات الجمعة انتصار جعفر العنف الجنسي في الحرب.. جريمة ضد الإنسانية وإهانة لكرامة المرأة السودانية

لم تترك المليشيا المتمردة جريمة إلا وارتكبتها، ولم تتورع عن استخدام كل الوسائل غير المشروعة في حربها ضد الشعب السوداني. فقد اختارت طريق الانتهاكات البشعة التي لا تمت للإنسانية بصلة، ومارست الإهانة والإذلال والأذى النفسي والعنف الجسدي، وارتكبت انتهاكات صارخة تهتز لها الضمائر وتشمئز منها النفوس السوية.
وفي مقدمة هذه الجرائم البشعة تأتي جريمة العنف الجنسي ضد المرأة، أو بالأحرى الاعتداء الجنسي الممنهج الذي اتخذته المليشيا سلاحا للحرب والإذلال. فالإساءة هنا لا تستهدف المرأة وحدها، بل تستهدف الأسرة بأكملها والمجتمع بأسره، لأن المرأة في المجتمع السوداني تمثل الأم والزوجة والأخت والابنة، وهي عماد الأسرة ومصدر استقرارها وكرامتها.
لقد أدركت المليشيا أن الاعتداء على المرأة يمثل اعتداء على شرف الأسرة وكرامة المجتمع، ولذلك تعمدت استخدام العنف الجنسي كوسيلة للإذلال وكسر الإرادة الإنسانية. والأسوأ من ذلك أن بعض هذه الجرائم ارتُكبت أمام أعين الآباء والأزواج والإخوة، في مشاهد قاسية لا يمكن وصفها إلا بأنها جرائم وحشية مكتملة الأركان.
أكدت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل أن عدد الحالات الموثقة بلغ نحو ألفين ومائتي حالة، وهو رقم لا يمثل سوى اثنين في المائة فقط من العدد الحقيقي للحالات على أرض الواقع، في ظل الانهيار شبه الكامل لخدمات الصحة والحماية بالمناطق المتأثرة بالحرب. وهذه الأرقام الصادمة تكشف حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها النساء السودانيات في صمت.
إن آثار هذه الجرائم لا تقف عند حدود الأذى الجسدي، بل تمتد إلى جراح نفسية واجتماعية عميقة قد تستمر لسنوات طويلة، وتترك ندوبا في نفوس الضحايا وأسرهن والمجتمع بأكمله. وقد بلغت الوحشية مداها في بعض الحالات التي تعرضت فيها امرأة واحدة لاعتداءات جماعية من عدة عناصر مسلحة، ووصل الأمر في بعض الوقائع إلى الوفاة نتيجة بشاعة الجريمة ووحشيتها.
إن العنف الجنسي في النزاعات المسلحة ليس مجرد انتهاك فردي، بل هو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية تستوجب المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب. فالمرأة السودانية التي تحملت أعباء الحرب والنزوح والفقدان لا يجوز أن تُترك وحدها تواجه هذه المأساة دون إنصاف وعدالة ودعم نفسي واجتماعي وقانوني.
وفي هذا السياق، طالبت مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، الدكتورة أميرة أزهري، بتبني خمسة إجراءات عاجلة تشمل توسيع الخدمات الطبية المنقذة للحياة خلال الساعات الاثنتين والسبعين الأولى للضحايا، وإنشاء بيوت آمنة، وضمان ملاحقة الجناة ومحاسبتهم محليا ودوليا، فضلاً عن الاستثمار في الدعم النفسي والاجتماعي وزيادة التمويل المرن للمنظمات النسوية المحلية بما يسهم في تحقيق التعافي المجتمعي.
إشراقة أخيرة
صمت دولي مخجل
إن جريمة العنف الجنسي ضد المرأة، وخاصة في أوقات الحرب، تعد من أبشع الجرائم ضد الإنسانية وأشدها قسوة على الضمير الإنساني.
غير أن ما يثير الأسى والاستنكار هو الصمت الإقليمي والدولي تجاه الانتهاكات المروعة التي ارتكبتها المليشيا بحق النساء السودانيات، في ظل غياب مواقف قانونية رادعة وإجراءات عملية تنصف الضحايا وتقتص من الجناة.
لقد كان الأمل معقوداً على تحرك دولي عاجل يحقق العدالة الناجزة ويعيد شيئا من الكرامة للضحايا وللشعب السوداني.
فالعدالة ليست مطلبا قانونيا فحسب، بل هي واجب إنساني وأخلاقي، وإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب يشكل تهديدا للقيم الإنسانية كافة.
وسيظل وقف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها وإنصاف الضحايا مسؤولية جماعية لا تقبل الصمت أو التهاون، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي في الحروب والنزاعات، وحتى تستعيد المرأة السودانية حقها في الأمن والكرامة والحياة الكريمة.


