مقالات الرأي

نبض.. الواقع حرية الصحافة بين الحماية والعقاب سعاد أم ارتقاء تكتب

نبض.. الواقع

حرية الصحافة بين الحماية والعقاب

سعاد أم ارتقاء تكتب

تتابع الأوساط الإعلامية والصحفية، ومعها قطاعات واسعة من الرأي العام، بقلق بالغ قضية الصحفية رشان أوشي التي وجدت نفسها خلف القضبان بسبب مقال صحفي، في واقعة أعادت إلى الواجهة التساؤلات القديمة والمتجددة حول واقع حرية التعبير وحدود الحماية القانونية التي يتمتع بها الصحفيون في السودان.

فالصحافة الحرة ليست امتيازاً لفئة مهنية بعينها، وإنما إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع يسعى إلى الشفافية والمساءلة. والصحفي حين يؤدي واجبه المهني في نقل الحقائق وتسليط الضوء على قضايا الفساد والتجاوزات، فإنه يمارس دوراً وطنياً يتجاوز حدود المهنة إلى خدمة المجتمع وحماية مصالحه.

وفي كثير من دول العالم أصبحت الصحافة سلطة رقابية مؤثرة، لما تضطلع به من دور في كشف مواطن الخلل ومتابعة الأداء العام. وخلال فترات الأزمات والحروب تزداد الحاجة إلى الإعلام المهني، إذ غالباً ما تهيئ الظروف الاستثنائية بيئة خصبة للفساد وضعف الرقابة والمحاسبة.

وعندما يصبح القلم سبباً للسجن، فإن الرسالة التي تصل إلى الصحفيين تبدو مقلقة، كما أن حق المجتمع في المعرفة والوصول إلى المعلومات يصبح مهدداً. ومن هنا تبرز أهمية أن يضطلع مجلس الصحافة والمطبوعات بدوره القانوني والمهني في حماية الصحفيين والدفاع عن حقوقهم، والعمل على إيجاد ضمانات واضحة تمنع حبس الصحفيين بسبب أعمالهم المهنية، وتكفل معالجة النزاعات المرتبطة بالنشر عبر الأطر القانونية والمهنية التي تحفظ الحقوق وتصون حرية الصحافة.

وخلال زيارة للأستاذة رشان أوشي داخل السجن، لفتني ما أبدته من ثبات واتزان في التعامل مع محنتها. وقد روت أن بعض النزيلات استغربن وجودها بينهن، وحين علمن أن سبب وجودها مقال صحفي أبدين دهشتهن من أن يكون الرأي سبباً للعقوبة السالبة للحرية. وهي مشاهد تفتح الباب واسعاً للنقاش حول طبيعة العقوبات المرتبطة بقضايا النشر وحدود تناسبها مع الفعل محل النزاع.

ولا أحد يشكك في استقلال القضاء أو نزاهة مؤسساته، غير أن قضية بهذا الحجم تستدعي نقاشاً قانونياً ومهنياً جاداً حول العقوبات المقررة في قضايا النشر، ومدى انسجامها مع مبادئ حرية التعبير والحقوق الدستورية.

إن حماية الصحفيين ليست حماية لأشخاص بعينهم، بل حماية لحق المجتمع بأكمله في التعبير والمعرفة. فكلما تمتع الصحفي بالأمان المهني والقانوني، كان أكثر قدرة على أداء رسالته في خدمة الوطن والمواطن.

وتبقى قضية رشان أوشي فرصة لمراجعة التشريعات والإجراءات المتعلقة بالنشر الصحفي، وترسيخ مبدأ أن الرأي يواجه بالرأي، وأن القانون ينبغي أن يكون سنداً للحرية وضامناً للحقوق، لا وسيلة لتقييد العمل الصحفي المشروع.

نبض يقول

عندما يُسجن صحفي بسبب مقال، فإن القضية تتجاوز الشخص المعني لتلامس واقع الحريات الصحفية بأكمله. ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة حول مدى كفاية القوانين الحالية لحماية الصحفيين، وحول الحاجة إلى إصلاحات قانونية تواكب طبيعة العمل الإعلامي وتحفظ التوازن بين المسؤولية المهنية وحرية التعبير.

كما أن ما تعرضت له سابقاً الصحفية هاجرة سليمان من إجراءات أثار نقاشاً واسعاً داخل الوسط الإعلامي بشأن أوضاع الصحفيين والضمانات الواجب توفيرها لهم أثناء التقاضي.

نبض أخير

نحن في حاجة إلى وقفة جادة ومسؤولة من الجهات العدلية والقانونية والمؤسسات الصحفية لمراجعة واقع الحريات الصحفية وضمان عدم تكرار مثل هذه القضايا. فقضية رشان أوشي لم تعد قضية فردية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات على حماية حرية التعبير في إطار القانون.

وستبقى الكلمة الحرة جزءاً أصيلاً من معركة الوعي والبناء الوطني، وسيظل الصحفيون يؤدون رسالتهم في نقل الحقيقة وخدمة الوطن، مؤمنين بأن الصحافة المهنية المسؤولة شريك أساسي في بناء الدولة وترسيخ قيم العدالة والشفافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى