مقالات الرأي

همس البوادي*   *الشباب حين يتحول العطاء إلى معركة موازية لبناء الوطن*   *✍️ سعاد سلامة*

*همس البوادي*

*الشباب حين يتحول العطاء إلى معركة موازية لبناء الوطن*

*✍️ سعاد سلامة*

 

منذ أن اشتعلت نيران الحرب في السودان لم يكن الشباب مجرد شهود على المأساة بل كانوا في طليعة من تصدى لها بوعي ومسؤولية ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم بمتابعة تطورات الصراع كان شباب السودان يصنعون مشهدا موازيا أكثر إنسانية وعمقا مشهد عنوانه العطاء وعماده التضحية وروحه الانتماء الحقيقي لهذا الوطن الجريح

لم ينتظر هؤلاء الشباب توجيها من جهة ولم تعقهم قلة الإمكانيات بل اندفعوا بإرادة صلبة نحو ميادين العمل الطوعي حيث برزت مبادراتهم في كل ركن من أركان البلاد من إغاثة النازحين إلى تجهيز مراكز الإيواء إلى حملات النظافة والصحة الوقائية كانوا هناك في الصفوف الأولى يقاومون الألم بالفعل ويواجهون آثار الحرب بروح الحياة

ولم يكن عطاؤهم ماديا فحسب بل تجاوز ذلك إلى ملامسة الجوانب الأكثر هشاشة في المجتمع فوسط بيئات النزوح القاسية أطلقوا مبادرات للدعم النفسي ونظموا أنشطة ترفيهية للأطفال وفتحوا فصولا تعليمية مؤقتة وكأنهم يعلنون بصوت واضح لن نسمح للحرب أن تسرق مستقبلنا هنا تتجلى أعظم معاني الوعي حين يدرك الشباب أن المعركة ليست فقط في الميدان العسكري بل أيضا في حماية الإنسان من الانهيار

لقد أعادت هذه الجهود رسم صورة المجتمع السوداني وأكدت أن روح التكافل لا تزال حية رغم كل الانكسارات فالشباب لم يملؤوا فقط فراغ المؤسسات في لحظة حرجة بل أسسوا لثقافة جديدة قوامها المبادرة والمسؤولية الجماعية ما يعكس تحولا عميقا في الوعي الوطني

وفي ولاية شمال كردفان تجلت هذه الصورة بأوضح معانيها لم يكن الشباب هناك بعيدين عن قلب الحدث بل كانوا في صميمه يحملون السلاح حين يتطلب الموقف ويحملون روح المبادرة حين تستدعي الحاجة انخرطوا في صفوف المقاومة الشعبية وشاركوا في الدفاع عن الأرض والعرض مقدمين نماذج مشرفة في الشجاعة والبذل ليؤكدوا أن الانتماء ليس قولا بل موقف يصنع في لحظات الاختبار

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تجاوز الحرب بل فيما بعدها فمرحلة ما بعد الحسم تضع الوطن أمام امتحان أكثر تعقيدا عنوانه إعادة البناء والإعمار وهي مهمة لا تقل صعوبة عن المعركة نفسها بل تتطلب حشدا شاملا لكل طاقات الدولة عسكرية وأمنية واقتصادية واجتماعية وعلمية وإعلامية وعلى رأسها الطاقات الشبابية التي أثبتت قدرتها على الفعل والتغيير

إن ما قدمه الشباب خلال هذه الأزمة يجب ألا ينظر إليه كجهد طارئ بل كنواة حقيقية لمشروع وطني متكامل يبنى على أسس المشاركة والاعتماد على الذات فهؤلاء الذين نجحوا في إدارة المبادرات تحت ضغط الحرب قادرون على قيادة مسيرة الإعمار بروح الابتكار والعزيمة ذاتها

لقد أثبت شباب السودان أن الحضور في ساحات النضال لا يقاس بالشعارات بل بالفعل المؤثر كانوا سندا للجيش وعونا للمجتمع وجسرا للأمل في زمن الانكسار وبهذا العطاء كتبوا صفحة ناصعة في سجل الوطنية تؤكد أن هذا الوطن لا يبنى إلا بسواعد أبنائه المؤمنين به

*فاصلة*

في المحصلة لم تنجح الحرب في إخماد جذوة العطاء داخل نفوس الشباب بل زادتها اشتعالا وإصرارا فها هم اليوم يقفون على أعتاب مرحلة جديدة يحملون خبرة الميدان ووعي التجربة وإيمانا لا يتزعزع بأن السودان قادر على النهوض من جديد

اللهم اجعل هذا العطاء بذرة لنهضة لا تنطفئ

اللهم امنا في أوطاننا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى