نبض.. الواقع المخدرات بين الفتيات.. جرس إنذار يدق في وجه المجتمع والدولة سعاد أم ارتقاء تكتب:

نبض.. الواقع
المخدرات بين الفتيات.. جرس إنذار يدق في وجه المجتمع والدولة
سعاد أم ارتقاء تكتب:
لم تعد قضية المخدرات مقتصرة على فئة بعينها أو شريحة محددة من المجتمع، بل أصبحت ظاهرة مقلقة تتسع دوائرها يوماً بعد يوم، وتزداد خطورتها عندما تمتد إلى الفتيات في سن المراهقة والشباب، وهن الفئة التي يُعوَّل عليها في بناء الأسرة والمجتمع وصناعة المستقبل.
إن تعاطي المخدرات بين الفتيات يمثل تهديداً حقيقياً للصحة النفسية والجسدية، كما ينعكس سلباً على الأسرة والمجتمع والاقتصاد الوطني. وتتعاظم خطورة الظاهرة عندما يستغل المروجون ضعف الوعي، والضغوط النفسية والاجتماعية، وحالة الفراغ التي يعيشها بعض الشباب والفتيات، فيدفعون بهم إلى طريق مظلم تكون عواقبه وخيمة على الجميع.
وللإنصاف، فإن هذه الظاهرة لا تنشأ من فراغ، بل تقف وراءها أسباب متعددة، أبرزها التفكك الأسري، وضعف الرقابة والمتابعة داخل الأسرة، ورفقاء السوء، والتأثر بالبيئات السلبية، فضلاً عن الضغوط النفسية والقلق والاكتئاب، والتسرب من التعليم، وضعف الوعي بمخاطر المخدرات وآثارها المدمرة.
كما لا يمكن تجاهل الدور الخطير الذي تلعبه بعض وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج للمواد المخدرة بطرق مباشرة وغير مباشرة، مستفيدة من التطور التقني وضعف الرقابة، الأمر الذي يستوجب تحركاً جاداً لمواجهة هذه الأساليب الحديثة في الاستهداف والتغرير بالشباب.
وتنعكس هذه الظاهرة في صور مؤلمة تتمثل في تدهور الصحة الجسدية والنفسية للمتعاطين، وارتفاع معدلات الجريمة والعنف المرتبطة بالإدمان، فضلاً عن تفكك الأسر وخسارة المجتمع لطاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في التنمية والبناء.
وخلال زيارة قادتني إلى أحد السجون، ومشاركتي في برنامج علاجي نظمته إدارة السجن، لفت انتباهي وجود عدد من الفتيات النزيلات في أعمار تتراوح بين 17 و25 عاماً، بعضهن طالبات جامعيات، يقضين عقوبات مرتبطة بتعاطي المخدرات. كانت تلك المشاهد صادمة، وأكدت أن المشكلة أكبر مما يتصور كثيرون، وأنها لم تعد حكراً على الذكور كما يعتقد البعض.
ومن هنا أرى أن المعالجة القانونية وحدها، رغم أهميتها، لا تكفي لمواجهة الظاهرة. فالسجن قد يكون جزءاً من الحل، لكنه ليس الحل الكامل. المطلوب هو تبني رؤية شاملة تقوم على الوقاية والتوعية والعلاج وإعادة التأهيل، ومعالجة الأسباب التي تدفع الشباب والفتيات إلى الوقوع في براثن الإدمان.
وتبدأ الحلول من الأسرة عبر تعزيز الحوار والمتابعة والاحتواء، مروراً بالمدارس والجامعات من خلال برامج التوعية المستمرة، ودعم الأنشطة الرياضية والثقافية التي تستوعب طاقات الشباب، إلى جانب توفير مراكز للإرشاد النفسي والعلاج والتأهيل، وإشراك وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في حملات التوعية المجتمعية.
أما على المستوى القانوني والأمني، فلا بد من تشديد العقوبات على مروجي المخدرات والمتاجرين بها، وإحكام الرقابة على المنافذ الحدودية، وتطوير آليات مكافحة الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالترويج للمخدرات، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات التعليمية والمجتمعية لرصد الظاهرة والتعامل معها مبكراً.
إن حماية الشباب والفتيات مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع، فهؤلاء هم مستقبل الوطن وثروته الحقيقية. وإذا أردنا أن نحافظ على هذا المستقبل، فعلينا أن نواجه المشكلة بوعي وشجاعة، وأن ننتقل من ردود الأفعال إلى صناعة الحلول المستدامة.
حفظ الله أبناءنا وبناتنا من كل سوء، وألهمنا جميعاً الحكمة والمسؤولية في حماية أجيالنا القادمة.
احترامي



