مقالات الرأي

همس البوادي* *طفولة تُسحق تحت وطأة الحاجة… صرخة في وجه عمالة الأطفال* *🖊️ سعاد سلامة*

*همس البوادي*

*طفولة تُسحق تحت وطأة الحاجة… صرخة في وجه عمالة الأطفال*

*🖊️ سعاد سلامة*

في زوايا المدن المزدحمة وعلى أطراف الطرقات وبين ضجيج الأسواق وصخب الورش يقف أطفالٌ صغار بأجسادٍ نحيلة وملامح أنهكها التعب لا يحملون حقائب مدرسية ولا يلهون بألعاب بريئة بل يجرّون خلفهم أعباءً أكبر من أعمارهم بكثير مشهدٌ يتكرر كل يوم حتى أصبح مألوفًا لكنه في حقيقته جرحٌ مفتوح في جسد المجتمع ونقطة سوداء في سجل الإنسانية

عمالة الأطفال لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة يمكن التغاضي عنها بل تحولت إلى قضية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية وتكشف عن خلل عميق في بنية الحماية المجتمعية فالطفل الذي يُفترض أن يكون في مقاعد الدراسة يتعلم ويكتشف ويكبر في بيئة آمنة يجد نفسه فجأة في مواجهة قسوة الحياة يكدح من أجل البقاء ويُحرم من أبسط حقوقه أن يكون طفلًا.

لقد مرّ اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال مناسبةٌ يفترض أن توقظ الضمائر وتعيد تسليط الضوء على هذه الكارثة الصامتة حيث جدد المجلس القومي لرعاية الطفولة دعواته لحماية الأطفال من كافة أشكال الاستغلال مؤكدًا أن الطفولة حقٌ لا يقبل التنازل وأن التعليم والرعاية والنماء ليست رفاهية بل حقوق أصيلة تكفلها القوانين والمواثيق الدولية

لكن وعلى أرض الواقع تبقى النصوص حبيسة الأدراج بينما يواصل الأطفال رحلة المعاناة في صمت. فالقوانين التي تجرّم تشغيل الأطفال دون السن القانونية موجودة لكنها تصطدم بواقع اقتصادي قاسٍ تعيشه أسر أنهكتها الحرب والفقر فوجدت نفسها مضطرة أو هكذا تظن لدفع أبنائها إلى سوق العمل المبكر وهنا يبرز السؤال المؤلم هل يمكن أن تكون الحاجة مبررًا لانتهاك الطفولة؟ وهل يجوز أن يتحول العجز الاقتصادي إلى غطاءٍ لجريمة إنسانية؟

تتعدد صور عمالة الأطفال، لكنها تتفق في قسوتها فمنهم من يعمل في بيئات خطرة كالمناجم والورش والمصانع ومنهم من يُستغل في أعمال شاقة كحمل الأثقال أو البيع في الشوارع وآخرون يُدفعون إلى التسول أو أعمال هامشية تفتقر لأدنى معايير السلامة والكرامة وفي كل هذه الحالات يُحرم الطفل من التعليم ويُنتزع من عالمه الطبيعي ويُلقى به في دوامة من الاستغلال والعنف النفسي والجسدي قد تترك آثارًا لا تمحى طوال حياته.

الأخطر من ذلك أن عمالة الأطفال لا تسرق الحاضر فقط بل تسرق المستقبل أيضًا فهي تُنتج جيلًا محرومًا من التعليم محدود الفرص هشّ التكوين ما ينعكس سلبًا على المجتمع بأكمله فالأمم لا تُبنى بالأجساد المنهكة بل بالعقول المتعلمة ولا تنهض بأطفالٍ أُجبروا على الكدح بدل الحلم

إن الصمت على عمالة الأطفال جريمة أخرى لا تقل فداحة فالمسؤولية هنا جماعية تبدأ من الدولة التي يقع على عاتقها سنّ وتطبيق القوانين بصرامة وتمر عبر المؤسسات المعنية التي يجب أن تفعّل آليات الرقابة والحماية ولا تنتهي عند الأسرة التي تحتاج إلى الدعم لا اللوم حتى لا تضطر إلى التضحية بأطفالها تحت ضغط الحاجة

كما أن للإعلام دورًا محوريًا في كشف هذه الانتهاكات وتسليط الضوء عليها ليس فقط بوصفها ظاهرة بل كقضية إنسانية تستوجب التحرك العاجل فالكلمة الصادقة قد تكون أحيانًا الشرارة التي تُحدث التغيير وتوقظ ضمير المجتمع

إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالشجب وحده،بل عبر حلول عملية تبدأ بتوفير الدعم الاقتصادي للأسر الفقيرة وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وضمان التعليم المجاني الجاذب إلى جانب حملات توعية مستمرة تُرسّخ ثقافة حماية الطفولة وتعيد الاعتبار لقيم الرحمة والمسؤولية

الطفولة ليست مرحلة للعمل الشاق، بل لبناء الإنسان وإذا ما استمر تجاهل هذه المأساة فإننا لا نخسر أطفالًا فقط بل نهدر مستقبل وطن بأكمله أطفالنا ليسوا أيدٍ عاملة بل طاقات واعدة وأحلام تنتظر أن تجد من يحتضنها لا من يستغلها

*فاصلة*

فلنرفع الصوت عاليًا دعوا الأطفال يكبرون كما يجب في مدارسهم في ملاعبهم في أحضان الأمان لا في زوايا التعب والانكسار.

أطفالنا فلذات أكبادنا،هم زينة الحاضر وأمل الغد وبقدر ما نحميهم اليوم نصنع غدًا أكثر إنسانية وعدلًا

اللهم آمنا في أوطاننا

واحفظ أطفالنا من كل سوء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى