إشراقات الجمعة انتصار جعفر الأب في عين ابنته.. حين تتحول المقارنة إلى جفوة

إشراقات الجمعة
انتصار جعفر
الأب في عين ابنته.. حين تتحول المقارنة إلى جفوة
الأبناء أغلى ما يملكه الأب والأم ومن أجلهم يبذلان قصارى جهدهما ويقدمان الكثير من التضحيات بحثاً عن سعادتهم وتأمين مستقبلهم ويحرصان دائماً على أن يظهرا أمامهم في أجمل صورة باعتبارهما السند والأمان ومصدر الحب والطمأنينة.
ولعل من المقولات الشائعة أن البنت غالباً ما تكون أكثر قرباً من أبيها لما تتميز به من عاطفة وقدرة أكبر على التعبير عن مشاعرها فتجدها أكثر التصاقاً بأبيها وأكثر حديثاً عنه وإظهاراً لحبها له بينما يميل الابن في كثير من الأحيان إلى التعبير عن حبه لوالده بصورة عملية وقد لا يجيد التعبير بالكلمات والمشاعر بالقدر نفسه.
لكن هذه القاعدة ليست صحيحة مائة بالمائة فالعلاقات الأسرية لا تخضع لقالب واحد وإنما تتأثر بالظروف المعيشية وطبيعة الأسرة وأسلوب التربية ومدى الترابط بين أفرادها فضلاً عن عوامل نفسية واجتماعية كثيرة تحدد شكل العلاقة بين الأبناء والآباء.
والبنت التي ترى في أبيها صورة الأمان والحنان والحماية قد تتمنى في كثير من الأحيان أن يكون زوج المستقبل قريباً من شخصيته وصفاته الجميلة. وهذا أمر مفهوم من الناحية العاطفية لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الصورة الجميلة إلى مقياس دائم تقارن به الزوج في كل صغيرة وكبيرة.
فتصبح المقارنة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية : «أبي كان يفعل كذا.. أبي كان يتصرف هكذا.. أبي لم يكن يقول ذلك.. أبي كان يفهمني دون أن أتكلم».
وقد تكون هذه العبارات عفوية ولا تقصد الزوجة بها الإساءة لكنها حين تتكرر وخصوصاً في لحظات الخلاف أو عندما يفشل الزوج في حل مشكلة أو تلبية حاجة فإنها قد تتحول من مجرد حديث عابر إلى خميرة للعكننة داخل البيت.
فالزوج حين يسمع نفسه مقارناً باستمرار بوالد زوجته قد يشعر بأن زوجته لا تراه كفؤاً بما يكفي أو أنها لا تقدر ما يقدمه وربما يتولد داخله إحساس بالتقصير والغيرة ليس من الأب باعتباره أباً وإنما من الصورة المثالية التي أصبحت الزوجة تضعه فيها.
وهنا قد يتحول الأب ــ من حيث لا يشعر أحد ــ إلى طرف غير مباشر في الخلاف الزوجي رغم أنه بريء تماماً من الأمر.
والأخطر من ذلك أن المقارنة إذا تكررت أمام الآخرين فإنها قد تجرح كرامة الزوج وتضعه في موقف يشعر فيه بالدونية أو بعدم الكفاءة الأمر الذي يدفعه إلى الانغلاق أو الغضب وقد ينعكس ذلك تدريجياً على علاقته بزوجته وبأسرتها.
فالكلمة التي تقال بعفوية قد تترك أثراً عميقاً والتكرار يحول العابر إلى عادة والعادة إذا لم تُضبط قد تصبح سبباً للخلاف.
ولا يعني هذا أن الزوجة مطالبة بأن تتخلى عن حبها لأبيها أو تقديرها له بل على العكس فبر الوالدين وحبهما من أجمل ما يتحلى به الإنسان.
ولكن الحكمة تقتضي أن يبقى الأب أباً، والزوج زوجاً وأن تُبنى العلاقة الزوجية على خصوصيتها لا على استنساخ تجربة أخرى.
فالأب عاش ظروفاً مختلفة والزوج يعيش ظروفاً مختلفة ولكل إنسان شخصيته وإمكاناته وتجربته وطريقته في التعبير عن الحب والمسؤولية.
كما أن الزوجة نفسها مطالبة بأن تدرك أن الرجل لا يحب أن يوضع في منافسة دائمة مع رجل آخر حتى لو كان ذلك الرجل والدها. فهو يريد أن يشعر بأنه محبوب لذاته وأن ما يقدمه لزوجته محل تقدير وأن أخطاءه تُناقش معه بعيداً عن المقارنات التي قد تزيد المشكلة تعقيداً.
وفي المقابل على الزوج أيضاً أن يتفهم طبيعة العلاقة العاطفية بين البنت وأبيها وألا ينظر إلى محبة الزوجة لوالدها باعتبارها منافسة له، بل يرى فيها فضيلة جميلة ما دامت في إطارها الطبيعي ولم تتحول إلى تدخل في الحياة الزوجية أو انتقاص من شأنه.
وقديماً قالوا: «كل شيء إذا جاوز حدَّه انقلب إلى ضده»..
إشراقة أخيرة..
الحرب و العلاقات الاجتماعية.
تمر الأسرة السودانية اليوم بمنعطف بالغ الحساسية فقد لعبت الحرب دوراً كبيراً في تغيير كثير من أوجه الحياة من لغة الحوار وأسلوب التعامل إلى الظروف المعيشية القاسية والضغوط الاقتصادية وعدم استقرار مقومات الحياة الكريمة من صحة وتعليم وكهرباء ومياه ومواصلات وكلها عوامل تركت آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على أفراد الأسرة.
وفي ظل هذه الضغوط تصبح الأسرة في حاجة أكبر إلى الاحتواء لا الاستفزاز وإلى الحوار لا المقارنة وإلى التقدير لا التقليل من شأن الآخر.
لذلك فإن الزوجة الواعية لا تختار فقط ما تقول وإنما تختار أيضاً متى وكيف تقول. والزوج الواعي بدوره لا يتوقف عند كل كلمة بل يحاول أن يفهم دوافعها وسياقها وأن يعالج ما يزعجه بالحوار الهادئ.
فالحياة الزوجية ليست مسابقة بين الأب والزوج ولا ساحة لإثبات من هو الأفضل وإنما هي شراكة تقوم على المودة والرحمة والتفاهم.
والبيت الذي يسوده الاحترام ويشعر فيه كل طرف بقيمته ومكانته يكون أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة مهما اشتدت.
إن طريقة تعاملنا داخل المنزل تعكس ثقافتنا ووعينا، ولذلك ينبغي أن تُبنى العلاقات الأسرية على الاحترام والمودة والرحمة وقبول الآخر كما هو مع السعي إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه بالأسلوب الحسن.
فالكمال ليس شرطاً في الحياة الزوجية كن حسن المعاملة وحفظ المشاعر وإتقان فن الحوار والتغاضي عن الهفوات كلها مفاتيح لبيت أكثر استقراراً ومودة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذا المقام:
لا تقارن شريك حياتك بغيره بل ساعده أن يكون أفضل نسخة من نفسه..
نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.



