همس البوادي* *جامعة السودان المفتوحة.. ملحمة وطنية وانتصار لإرادة التعليم* *سعاد سلامة*

*همس البوادي*
*جامعة السودان المفتوحة.. ملحمة وطنية وانتصار لإرادة التعليم*
*سعاد سلامة
ليست كل الامتحانات أوراقاً تُوزع داخل القاعات ثم تُطوى بانتهاء الزمن المحدد فهناك امتحانات تضع المؤسسات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود والثبات والوفاء برسالتها. وما شهدته جامعة السودان المفتوحة في ختام امتحانات الموسم الثامن لم يكن مجرد نهاية لعملية أكاديمية روتينية بل كان ملحمة وطنية متكاملة أكدت أن التعليم في السودان ما زال قادراً على الحياة والعطاء رغم كل ما مر بالبلاد من ظروف استثنائية وتحديات معقدة.
فعندما اندلعت الحرب وتوقفت مؤسسات عديدة وتعطلت الخدمات في كثير من المناطق كان التحدي الأكبر هو كيف تستمر مسيرة التعليم وكيف يحافظ آلاف الطلاب على حقهم في التعلم ومواصلة مشوارهم الأكاديمي. وهنا برزت جامعة السودان المفتوحة كواحدة من المؤسسات الوطنية التي أدركت حجم مسؤوليتها تجاه الوطن وأبنائه فعملت بصمت وإصرار وتخطيط دقيق حتى تواصل مسيرتها وتؤدي رسالتها دون انقطاع.
واليوم مع إسدال الستار على امتحانات الموسم الثامن يحق لأسرة الجامعة أن تفخر بما تحقق ويحق للمجتمع السوداني أن ينظر إلى هذه التجربة باعتبارها نموذجاً مشرفاً للمؤسسات الوطنية التي انتصرت لرسالتها ولم تستسلم للظروف. فقد نجحت الجامعة في تنظيم امتحاناتها بمستوى عالٍ من الانضباط والتنظيم وأكدت أن الإرادة حين تتوافر تصبح العقبات مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها.
وفي هذا المقام لا بد من الإشادة بالدور القيادي للبروفيسور عبد الخالق فضل رحمة الله مدير جامعة السودان المفتوحة الذي حمل مسؤولية قيادة الجامعة في ظرف استثنائي وظل قريباً من تفاصيل العمل ومتابعاً لمسيرة الامتحانات بما أسهم في تعزيز روح الانضباط وتوحيد جهود العاملين نحو إنجاح هذه المهمة الوطنية.
لقد تابعت قيادة الجامعة سير الامتحانات لحظة بلحظة وتحركت بين الفروع والمراكز ووقفت على كل صغيرة وكبيرة من أجل توفير البيئة المناسبة للطلاب. وكان واضحاً أن هناك عملاً مؤسسياً متكاملاً تقف خلفه إدارة واعية تؤمن بأن الطالب هو محور العملية التعليمية وأن نجاح الامتحانات يمثل نجاحاً للجامعة كلها.
ومن الواجب هنا أن نتقدم بالشكر والتقدير لإدارة جامعة السودان المفتوحة ولكل أعضاء الإدارة العليا وإدارة القياس والتقويم وإدارة الفروع وعمداء الكليات وأساتذة الجامعة والعاملين في الكنترولات والمراقبة والتسجيل والشؤون الأكاديمية والتقنية ولكل جندي مجهول أسهم في إنجاح هذه العملية الكبيرة. فهؤلاء جميعاً عملوا في ظروف ليست سهلة وتحملوا مسؤوليات جسيمة حتى تخرج الامتحانات بالصورة التي تليق بتاريخ الجامعة ومكانتها.
كما يستحق مديرو الفروع والعاملون بالمراكز المختلفة الإشادة والثناء لما بذلوه من جهد مقدر في التنظيم والمتابعة وتذليل العقبات أمام الطلاب. فقد أثبتوا أن روح الفريق الواحد ما زالت حاضرة وأن النجاح لا تصنعه القرارات وحدها وإنما تصنعه السواعد المخلصة التي تعمل في الميدان.
والتحية الأكبر تذهب إلى الطلاب والطالبات الذين ضربوا أروع الأمثلة في الصبر والإصرار. فقد تحدوا ظروف النزوح والتنقل وصعوبة المواصلات والضغوط الاقتصادية والنفسية ووصلوا إلى قاعات الامتحانات وهم يحملون أملاً كبيراً في مستقبل أفضل. هؤلاء الطلاب أثبتوا أن الرغبة في التعلم أقوى من كل الظروف وأن السودان ما زال بخير ما دام فيه شباب يؤمنون بالعلم طريقاً للنهضة والتقدم.
إن جامعة السودان المفتوحة لم تنجح فقط في عقد الامتحانات بل نجحت في توجيه رسالة وطنية عميقة المعنى مفادها أن التعليم لا يجب أن يتوقف مهما كانت الظروف. وقد أكدت هذه التجربة أن الجامعات ليست مباني وقاعات فحسب بل هي مؤسسات لصناعة الأمل وبناء الإنسان والمحافظة على استقرار المجتمع في أوقات الأزمات.
لقد كانت امتحانات الموسم الثامن درساً في الإدارة الناجحة والتخطيط السليم والعمل الجماعي والانتماء الحقيقي للمؤسسة. وهي تجربة تستحق أن تُوثق وأن تُدرس لأنها قدمت نموذجاً عملياً لكيفية مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص للنجاح والإنجاز.
ومع انتهاء الامتحانات فإن التحدي القادم يتمثل في مواصلة هذا النجاح والبناء عليه وتعزيز مسيرة التطوير والتحديث التي تنتهجها الجامعة حتى تظل منارة للعلم والمعرفة وواحدة من أهم مؤسسات التعليم العالي في السودان.
*فاصلة*
نقول شكراً جامعة السودان المفتوحة. شكراً لأنكم حافظتم على شعلة العلم متقدة في زمن العواصف. شكراً لأنكم منحتم آلاف الطلاب فرصة مواصلة أحلامهم رغم الصعاب. شكراً لكل من سهر وتابع وخطط ونفذ وراقب حتى وصلت هذه المسيرة إلى نهايتها الناجحة.
لقد انتهت الامتحانات لكن ما تحقق خلالها سيظل شاهداً على أن الإرادة السودانية قادرة على صناعة المعجزات وأن التعليم سيبقى دائماً الطريق الأقصر نحو بناء الوطن واستعادة عافيته وصناعة مستقبله.
اللهم آمنا في أوطاننا

