فخ المساواة السياسية في مبادرات تبادل الأسر

فخ المساواة السياسية في مبادرات تبادل الأسرى
منذ اندلاع الحرب في السودان، برزت مبادرات عديدة تهدف إلى تخفيف المعاناة الإنسانية ومعالجة بعض الآثار المباشرة للنزاع، ومن بينها مبادرات تبادل الأسرى والمحتجزين. ورغم أن الجانب الإنساني لمثل هذه المبادرات يظل هدفاً مشروعاً ومطلوباً، إلا أن الخطر يكمن في الكيفية التي يتم بها تصميم هذه المبادرات وتقديمها للرأي العام وللمجتمع الدولي.
في العلوم السياسية والقانون الدولي، لا يقتصر أثر الاتفاقات على نتائجها المباشرة، بل يمتد إلى الرسائل السياسية التي تحملها. فعندما يتم تقديم عملية تبادل الأسرى بين دولة ذات سيادة وجماعة مسلحة متمردة بصورة توحي بوجود تكافؤ سياسي أو قانوني كامل بين الطرفين، فإن ذلك قد يخلق انطباعاً بأن الجماعة المسلحة أصبحت نداً للدولة ومؤسساتها الشرعية.
وتكمن خطورة هذا الأمر في أن النزاع لا يدور بين دولتين مستقلتين، وإنما بين حكومة معترف بها دولياً وبين قوة حملت السلاح ضد الدولة. لذلك فإن أي ترتيبات سياسية أو إعلامية لا تراعي هذا الفارق الجوهري قد تؤدي إلى نتائج تتجاوز الهدف الإنساني المعلن، وتفتح الباب أمام منح الجماعة المسلحة مكاسب سياسية ورمزية لم تحصل عليها عبر المسار الدستوري أو الانتخابي.
كما أن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو طبيعة المحتجزين أنفسهم. فالكثير من المدنيين والعسكريين تم احتجازهم في ظروف مرتبطة بأعمال الحرب أو نتيجة اقتحام منازلهم وأماكن وجودهم. ومن ثم فإن التعامل مع هذه القضية يجب أن ينطلق من مبدأ حماية الضحايا وإطلاق سراحهم، لا من مبدأ تحقيق توازن سياسي بين الدولة والجماعة المسلحة.
إن المطلوب ليس رفض الجهود الإنسانية الرامية إلى إعادة الأسرى والمحتجزين إلى أسرهم، بل التأكيد على أن هذه الجهود يجب أن تتم ضمن إطار يحفظ مكانة الدولة وسيادتها، ويمنع استغلال المعاناة الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية أو دعائية. فالفارق كبير بين مبادرة إنسانية تهدف إلى إنهاء معاناة الأسرى، وبين ترتيبات قد تُفسر على أنها اعتراف ضمني بمساواة جماعة متمردة بمؤسسات الدولة الشرعية.
السودان اليوم بحاجة إلى حلول تنهي الحرب وتحمي المدنيين، لكنه في الوقت نفسه بحاجة إلى الحذر من أي مسارات قد تؤدي، بقصد أو بغير قصد، إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي عبر بوابة الملفات الإنسانية. فالقضايا الإنسانية يجب أن تبقى جسوراً للرحمة وإنقاذ الأرواح، لا أدوات لإعادة توزيع الشرعية السياسية بين الدولة ومن يحمل السلاح في مواجهتها.
تحياتي: شول لام دينق


