إشراقات الجمعة انتصار جعفر (الشائعة).. معول هدم يهدد استقرار المجتمع

إشراقات الجمعة
انتصار جعفر
(الشائعة).. معول هدم يهدد استقرار المجتمع
تزدهر الشائعات وتنمو في المجتمعات التي تعاني ضعفا في الوعي والمعرفة فهناك فرق كبير بين التعليم بوصفه اكتسابا للمعلومات وبين الوعي الذي يمثل القدرة على الفهم والتحليل والتمييز بين الحقيقة والزيف.
ولهذا فإن المجتمعات الواعية تكون أكثر قدرة على مواجهة الشائعات والحد من آثارها السلبية.
وتزداد خطورة الشائعة عندما تتعلق بمعاش الناس وأمنهم واستقرارهم وأوضاعهم الاقتصادية لأن هذه القضايا تمس حياة الأسر بصورة مباشرة وتؤثر على استقرار المجتمع ونهوضه.
أما الشائعات الاجتماعية التي تعرف شعبيا بـ”الشمارات” فرغم أنها تبدو أقل ضررا في ظاهرها إلا أنها تسهم في هدم القيم الاجتماعية النبيلة وتؤدي إلى نشر الفرقة وسوء الظن بين الناس.
وفي السابق كان ينظر إلى هذا النوع من الشائعات على أنه أكثر انتشارا في الأوساط النسائية إلا أن الواقع اليوم يؤكد أن هذه الظاهرة لم تعد حكراً على فئة دون أخرى بل أصبحت تنتشر في مختلف الأوساط الاجتماعية. وهي في حقيقتها معول يهدم الصدق والوضوح والشفافية ويضعف الثقة بين أفراد المجتمع.
وخلال الحرب اللعينة التي عاشتها بلادنا، كانت الشائعات – ولا تزال – واحدة من أخطر الأسلحة المستخدمة لصيد الفرص في المياه العكرة. فتعددت الشائعات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وكلها قامت على معلومات مغلوطة أو مبتورة، لكنها انتشرت بسرعة هائلة كالنار في الهشيم، مسببة الخوف والهلع والاضطراب النفسي بين المواطنين.
والأخطر من مطلقي الشائعات أولئك الذين يصدقونها دون تمحيص أو تحقق، ثم يعيدون نشرها وإضافة تفاصيل جديدة إليها فيتحول الخبر الكاذب إلى ما يشبه الحقيقة في نظر البعض. وهنا تكمن المسؤولية المجتمعية في ضرورة التثبت من المعلومات قبل تداولها امتثالا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}.
وقد شهدنا في الآونة الأخيرة مثالا واضحا على تأثير الشائعات في الاقتصاد حينما انتشرت أخبار غير مؤكدة عن رفع أو تعديل بعض القرارات المتعلقة بحظر سلع معينة فتأثرت الأسواق وتغيرت حركة البيع والشراء كما تأرجحت أسعار بعض السلع والعملات الأجنبية. وعندما اتضح عدم صحة تلك الأخبار كانت الآثار قد وقعت بالفعل وهو ما يؤكد أن الشائعة قد تتحول إلى عامل مؤثر في حياة الناس ومعاشهم.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يجب أن تضطلع به الجهات المختصة في مكافحة الشائعات عبر سرعة نشر المعلومات الصحيحة وتعزيز الشفافية وتفعيل القوانين الرادعة لكل من يتعمد نشر الأخبار الكاذبة. كما أن للإعلام الوطني المسؤول دورا محوريا في توعية المجتمع وكشف الحقائق وتحصين الرأي العام ضد التضليل.
إن مواجهة الشائعات ليست مسؤولية المؤسسات وحدها بل هي واجب جماعي يبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فكلما ارتفع مستوى الوعي ضاقت المساحة التي تتحرك فيها الشائعة وفقدت قدرتها على التأثير والانتشار.
.
إشراقة أخيرة.
(الوعي).. سلاح لمواجهة الشائعات
ستظل الشائعات موجودة ما دام الصراع قائما بين الحق والباطل والخير والشر لكنها لا تجد طريقها إلى النجاح إلا عندما تغيب المعرفة ويضعف الوعي. لذلك فإن بناء الإنسان الواعي والمستنير هو السلاح الأقوى في مواجهة هذه الظاهرة.
كما أن التمسك بالقيم الدينية والأخلاقية والعادات السودانية السمحة يسهم في ترسيخ ثقافة التثبت وتحري الحقيقة.
إن بلادنا اليوم في غنى عن الأزمات المصنوعة والأخبار المضللة، فقد أثقلت الحرب كاهل المواطنين بما فيه الكفاية وحان الوقت لتوجيه الجهود نحو البناء والتنمية والإستقرار فالهدم سهل أما التعمير فيحتاج إلى وعي وصبر وإرادة.
وكما قال أهلنا زمان: “الخراب ساهل.. لكن العمار صعب.”
نصر من الله وفتح قريب.


