نبض.. الواقع حين يصبح الطفل ضحيةً قبل أن يكون متهماً قراءة في أسباب جنوح الأطفال وسبل المعالجة. سعاد أم ارتقاء تكتب:

نبض.. الواقع
حين يصبح الطفل ضحيةً قبل أن يكون متهماً
قراءة في أسباب جنوح الأطفال وسبل المعالجة.
سعاد أم ارتقاء تكتب:
يثير مشهد تورط أطفال دون سن الرابعة عشرة في جرائم السرقة أسئلة مؤلمة تتجاوز الفعل ذاته إلى أسبابه العميقة. فعندما نشاهد طفلاً في العاشرة من عمره متورطاً في سرقة متجر أو ممتلكات عامة، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا يسرق؟.
وماذا سرق؟؟.
بل لماذا وصل إلى هذه المرحلة؟.
خلال الفترة الماضية، انتشرت مقاطع مصورة لأطفال وهم يمثلون وقائع سرقات أمام الجهات المختصة. وبينما لا خلاف حول أهمية تطبيق القانون وحماية المجتمع، فإن التعامل مع الأطفال يجب أن يراعي خصوصية هذه الفئة العمرية وحساسيتها النفسية. فالطفل الذي يخطئ لا ينبغي أن يُختزل في خطئه، بل يجب البحث عن الظروف التي قادته إليه.
كثير من هؤلاء الأطفال هم ضحايا قبل أن يكونوا متهمين. فمنهم من فقد أسرته أو أحد والديه، ومنهم من يعيش أوضاعاً اقتصادية قاسية، ومنهم من دفعت به الحرب والنزوح والتفكك الاجتماعي إلى الشارع، حيث يصبح عرضة للاستغلال والانحراف والإدمان والجريمة.
وفي الشريعة الإسلامية، لا يُعامل الطفل باعتباره مجرماً كاملاً الأهلية، وإنما يُنظر إلى سلوكه باعتباره حالة تحتاج إلى التوجيه والإصلاح والتقويم. لذلك فإن معالجة هذه الظاهرة ينبغي أن تقوم على الاحتواء والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، لا على التشهير أو الممارسات التي قد تترك آثاراً سلبية دائمة في نفوس الأطفال.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودان، وما صاحبها من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع الخدمات الأساسية. فكلما اتسعت دائرة الحرمان، ازدادت فرص ظهور السلوكيات السالبة بمختلف أشكالها، وفي مقدمتها التسول والسرقة والتشرد.
ومن هنا، فإن هذه القضية تمثل رسالة مفتوحة إلى وزارة الرعاية الاجتماعية والجهات ذات الصلة، تدعو إلى النزول للميدان والاقتراب من واقع هؤلاء الأطفال لمعرفة مشكلاتهم الحقيقية بعيداً عن المكاتب والتقارير. فالحلول الجذرية لا تُصنع من خلف المكاتب، بل من خلال الاحتكاك المباشر بالناس والاستماع إلى معاناتهم.
لقد عرفت الإدارة السودانية نماذج مضيئة لمسؤولين كانوا يقتربون من المواطنين ويتفقدون أحوالهم بأنفسهم، وهو نهج يستحق أن يعود بقوة في التعامل مع القضايا الاجتماعية المعقدة.
إن إنقاذ هؤلاء الأطفال مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم المجتمع والدولة. فالتعامل مع الأزمة لا ينبغي أن يقتصر على ردود الأفعال المؤقتة، بل يتطلب رؤية وطنية طويلة المدى تستهدف مكافحة التشرد والتسول والاستغلال والإدمان، وتعيد دمج الأطفال في المجتمع بصورة تحفظ كرامتهم وتصون مستقبلهم.
كما أن السودان بحاجة إلى مبادرات حقيقية ومستدامة تتجاوز حدود المناسبات الإعلامية، عبر إنشاء مراكز متخصصة لإيواء الأطفال المعرضين للخطر، وتوفير التعليم والتدريب والتأهيل النفسي لهم، إلى جانب فتح المجال أمامهم للمشاركة في الأنشطة الرياضية والثقافية والكشفية والفنية، بما يساعد على اكتشاف مواهبهم وتوجيه طاقاتهم نحو البناء والإبداع.
وتبقى الدعوة موجهة إلى الناشطين والمؤثرين ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية للعمل معاً من أجل حماية أطفال السودان، خاصة أولئك الذين عانوا من ويلات الحرب في دارفور وكردفان ومناطق النزاعات الأخرى، ودفعوا أثماناً باهظة لا ذنب لهم فيها.
رسالة أخيرة
أحلم بمشروع وطني كبير يضم مدينة متكاملة لرعاية الأطفال فاقدي السند والمشردين والمتأثرين بالحروب، توفر لهم السكن والتعليم والتدريب والرعاية الصحية والترفيه، وتمنحهم فرصة جديدة للحياة. فالأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور، بل بما تنقذه من إنسان.
إن مستقبل السودان يبدأ من أطفاله، وكل طفل يتم إنقاذه اليوم هو لبنة جديدة في بناء وطن أكثر أمناً واستقراراً وعدالة.
وللحديث نبضٌ لا ينتهي.



