مقالات الرأي

*_نبض الواقع_*   **المواطن الكسول… بين الواقع والتحديات*  سعاد أم ارتقاء✍️ 

*_نبض الواقع_*

**المواطن الكسول… بين الواقع والتحديات*

 

سعاد أم ارتقاء✍️

 

عندما صدح الراحل محمد وردي فنان أفريقيا الأول بـ«يا بلدي يا حبوب»، لم يكن يكتفي بالغناء للوطن، بل كان يوقظ فينا معنى الانتماء الحقيقي: أن تحب وطنك يعني أن تعمل له. فالأوطان لا تُبنى بالأغنيات وحدها، بل بسواعد أبنائها وعقولهم. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة بين خطاب يمتلئ بالحماسة، وواقع يتكئ على الانتظار.

الإنسان هو جوهر أي مجتمع، وهو أداته الأولى في البناء والتغيير. وقد أكدت مرارًا أن المواطن ليس جزءًا من المجتمع فحسب، بل هو المجتمع نفسه. غير أن الخطاب العام ظل يحمّل الحكومة وحدها مسؤولية الإخفاقات، ويُعفي الفرد من دوره، حتى أصبح البعض يتعامل مع الدولة كجهة ملزمة بالعطاء، دون أن يقابل ذلك بواجب أو مشاركة.

المواطن « *الكسول* » ليس فقط من يتهرب من العمل اليدوي، بل هو أيضًا من يتخلى عن مسؤوليته الاجتماعية، ولا يسعى لتطوير ذاته، ولا يمد يده للمساهمة في تحسين محيطه. هو ذاك الذي ينتظر أن تتغير الظروف دون أن يغيّر شيئًا في نفسه. وفي عالم يتسارع نحو التقدم والرقمنة، ما زلنا نواجه مظاهر لا تليق بإمكاناتنا: شوارع مثقلة بالنفايات، وبطالة مقنّعة، واعتماد متزايد على الغير.

للظاهرة أسباب متعددة؛ منها الإحباط، وضيق الحال، وضعف الوعي، وتعقيدات الواقع الاقتصادي. لكنها—مهما تعددت—لا تُبرر الاستسلام. وهنا تتعاظم مسؤولية الإعلام والنخب الثقافية في ترسيخ ثقافة الوعي بالحقوق والواجبات، وإعادة صياغة العلاقة بين المواطن ووطنه على أساس الشراكة لا الاتكالية.

بلادنا تمر بظروف دقيقة، ولا سبيل للنهوض دون تضافر الجهود: حكومةً تضع الخطط وتوفر الأساسيات، ومواطنًا يشارك بفعالية في التنفيذ والحفاظ على المكتسبات. لم يعد مقبولًا أن نظل متفرجين أو ننتظر الإغاثة، بينما نحن قادرون على الإنتاج وصناعة الفارق.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى نماذج عملية تُشرك المواطن في إدارة الشأن المحلي؛ عبر تنظيم الأحياء والأسواق بخطط واضحة، وتوزيع المسؤوليات، وتعزيز الرقابة المجتمعية، بما يضمن تحسين الخدمات وخلق فرص عمل في إطار قانوني منظم. فحين يشعر المواطن أنه شريك حقيقي، تتبدل سلوكياته من الاستهلاك إلى الإسهام.

المسؤولية مشتركة؛ فالحكومة مطالبة بتوفير الخدمات الأساسية، والمجتمع مطالب بالحفاظ عليها. أما العبارة التي تتردد « *دا ما شغلي… دا شغل الحكومة* »، فهي اختزال مخلّ لمعنى المواطنة، وتعبير عن قطيعة يجب أن تُراجع. فالدولة في جوهرها خادمة لمواطنيها، لكنها لا تستطيع أن تؤدي دورها دون تعاونهم.

واقعنا يقول إننا نملك الكثير من الإمكانات، لكننا بحاجة إلى مراجعة داخلية تعيد ترتيب الأولويات، وتعزز الثقة بالنفس، وتستنهض القيم التي تدفعنا للعمل. الأمر لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى إرادة صادقة تعيد ضبط البوصلة.

*كسرة*

نحن اليوم في مواجهة مع ذواتنا قبل أي شيء. أمامنا فرصة لنقول: هذا هو السودان الذي نريد—سودان يعيد بناء ما دمرته الحروب، ويصنع من التحدي بداية لثورة إعمار حقيقية. فلنحوّل الأغنيات إلى أفعال، والانتماء إلى عمل… حتى يظل «يا بلدي يا حبوب» وعدًا نعيشه، لا مجرد اغنية نرددها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى