*عرس الشهادة الثانوية… الوطن يمتحن فينجح* بدرالدين عبدالقادر *✍️*

*عرس الشهادة الثانوية… الوطن يمتحن فينجح*
بدرالدين عبدالقادر *✍️*
“قم للمعلم وفِّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولاً”؛ انه ليس بيت شعر خالد في الاذهان ، بل مدخل صادق لقراءة مشهد وطني تكرّر هذا العام في أبهى صوره، رغم جسامة التحديات.
ها هي الستائر تُسدل على آخر صفحات امتحانات الشهادة الثانوية، بعد أيام كانت حبلى بالقلق والأمل معاً. جلس طلاب السودان إلى مقاعدهم بعزمٍ لا يلين، يحملون حصاد أعوامٍ من الجد والاجتهاد، ويستضيئون بما غرسه فيهم معلمون صابرون، ومعلماتٌ كنّ بحق أمهاتٍ في الرعاية والاحتواء، في زمنٍ لم يكن سهلاً على أحد.
ولعل الأرقام تعكس عظمة هذا الحدث الوطني؛ إذ بلغ العدد الكلي للطلاب الممتحنين هذا العام نحو 560 ألف طالب وطالبة، توزّعوا على أكثر من 3 آلاف مركز داخل البلاد وخارجها. كما شهدت ولاية الخرطوم مشاركة لافتة، حيث بلغ عدد الجالسين للامتحانات 153 ألف طالب وطالبة، مقارنةً بنحو 30 ألفاً في العام السابق، في مؤشرٍ يعكس تعافي العملية التعليمية وإصرارها على المضي قدماً.
لم تكن هذه الامتحانات اختبارٍ أكاديمي فحسب ، بل كانت امتحاناً لإرادة وطن. من ولاياتٍ آمنة وأخرى أنهكتها نيران الحرب، ومن مراكز خارجية في دول الجوار، تقاطر الطلاب وهم يحملون حلماً واحداً: أن يكتبوا سطراً جديداً في سجل هذا الوطن الكبير، وأن ينتصروا للعلم بوصفه طريق النجاة الأول.
وفي قلب هذا المشهد، تقف وزارة التربية ، صاحبة هذا العرس الكبير، وقد أدارت دفة الامتحانات في ظروف بالغة التعقيد، مستندةً إلى خبراتٍ متراكمة وإرادةٍ لا تعرف التراجع، لتؤكد أن مؤسسات الدولة قادرة على الصمود حين يتعاظم التحدي.
وفي الخلفية، برزت صورة المجتمع متماسكاً ومتسانداً؛ اتحادات ونقابات وروابط شكّلت جميعها حاضنة داعمة لهؤلاء الطلاب. قدّموا العون المعنوي، وبثّوا الطمأنينة، فكانوا الزاد الذي أعان على تجاوز الصعاب، وأثبتوا أن الرهان على الإنسان لا يخيب.
ولا ننسى أصحاب المركبات والركشات وغرفة النقل الذين اتاحوا نقل الطلاب مجانا في مبادرة عكست أصالة هذا الشعب الأبي
ولا يفوتنا أن نُحيّي كل أسرةٍ كانت السند الخفي في هذا المشهد؛ كل أمٍ سهرت الليالي، وكل أبٍ جاهد وكابد من أجل تهيئة جوٍ مريح لأبنائه، فكانوا شركاء حقيقيين في هذا النجاح.
اليوم، ومع انقضاء الامتحانات، لا يملك المرء إلا أن ينحني إجلالاً لكل من أسهم في هذا الإنجاز: طالبٍ صابر، ومعلمٍ مرابط، وأسرةٍ محتسبة، ومجتمعٍ أدرك أن بناء الأوطان يبدأ من قاعة درس.
شكراً وزارة التربية والتعليم…
وشكراً معلمي بلادي، يا مشاعل النور التي لا تنطفئ…
كل التقدير للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي امنت هذه العملية ورفعت معدل الاطمئنان بكل المراكز
وشكراً لكل أسرةٍ صنعت من الصبر طريقاً، ومن الأمل واقعاً يُعاش.
ولله الحمد من قبل ومن بعد
وفق الله الجميع


