عبق الحروف من العامل إلى المغترب… شعبٌ يدير معركة البقاء بإرادة واحدة بدرالدين عبدالقادر

عبق الحروف
من العامل إلى المغترب… شعبٌ يدير معركة البقاء بإرادة واحدة
بدرالدين عبدالقادر ✍️
فرضت الحرب التي تعيشها بلادنا واقعًا قاسيًا ومعقدًا على شعبنا الصابر، لكنها في المقابل كشفت عن عمق التماسك الإجتماعي، وأظهرت بجلاء روح المسؤولية الفردية والجماعية التي يتمتع بها السودانيون في مواجهة الأزمات والشدائد.
في ظل هذا الظرف الإستثنائي، لم يعد العطاء محصورًا في ميدان واحد أو فئة بعينها، بل أصبح كل فرد يقدّم ما يستطيع ضمن حدود إمكاناته. فالجنود في وحدات القوات المسلحة ومكوناتها المساندة يتقدمون الصفوف، ويأتي من بعدهم العامل في موقعه، والمزارع في حقله، والطالب في مساره الأكاديمي، والإعلامي بقلمه وعدسته وصدق كلمته، والمعلم الكادح، والأطباء — كتائب الجيش الأبيض، ملائكة الرحمة — حيث يسهم كلٌّ بما يملك من جهد ومعرفة وإصرار للحفاظ على استمرارية الحياة وتماسك المجتمع.
كما يبرز دور المغتربين الذين تحمّلوا أعباء إعالة أسر ممتدة، فظلوا سندًا اقتصاديًا ومعنويًا، يربطون الداخل بالخارج، ويخففون من آثار الضغوط المعيشية التي فرضتها الحرب. وقد عبّروا عن ارتباطهم الوطني بطرق متعددة، مؤكدين حضورهم الفاعل في الدفاع عن قضايا الوطن في المحافل المختلفة.
ولا يغيب عن هذا المشهد أصحاب المهن المختلفة الذين أسهموا في تسيير دولاب الخدمة المدنية وخلفهم اتحاداتهم ونقاباتهم المستردة شرعيتها بأمر القضاء ورغم ضيق الظروف سيروا القوافل دعماً للقوات المسلحة وظلوا محافظين على الحد الأدنى من استمرارية مؤسسات الدولة ، بما يعكس حسًا عاليًا بالمسؤولية الوطنية.
في هذا السياق، لا يملك أحد أن يمنّ على الآخرين بما يقدمه؛ فالجميع في معركة الكرامة جنود في ميدان العطاء، يتقاسمون الأدوار وتجمعهم غاية واحدة هي صون الوطن وحماية استقراره. ويُستثنى من ذلك أولئك الذين خانوا وتآمروا على البلاد وخرجوا عن المسار الوطني، مبتعدين عن قيم الانتماء والولاء للسيادة الوطنية.
فأما الشهداء الذين ارتقت أرواحهم، فهم أكرم منا جميعًا؛ تقبّلهم الله، وفكّ قيد أسرانا واعادهم لتكملة المشوار.
إنها صورة متعددة الأبعاد لواقع واحد، تؤكد أن الإسهام الوطني لا يُقاس بحجمه فحسب، بل بصدق النية وفاعلية الدور، وأن كل جهد — مهما بدا بسيطًا — يظل جزءًا من لوحة صمود أكبر، تُرسم ملامحها بإرادة شعب لا ينكسر بسهولة.
وفي نفحة أخيرة من هذا العبق، تتجه الأنظار إلى ما بعد الحرب، حيث يشارك السودانيون في إعادة الإعمار وبناء تنمية مستدامة. وهنا تبرز ضرورة العودة إلى منظومة الأخلاق القويمة، وتعزيز السلوك المسؤول، والمحافظة على المرافق العامة بوعي وطني راسخ، مع الإستفادة من تجارب المجتمعات التي احتضنت أبناءنا، ونقل ما فيها من قيم إيجابية لنهضة هذه الأرض الطيبة التى لاتستحق الا طيبا .
ليبقَ الشعار الأوحد: الوطن في حدقات العيون…
ولْيَسِل عرقنا بدلًا من أن تسيل دماؤنا. 🇸🇩✌️


