مقالات الرأي

همس البوادي* *شمال كردفان تقاوم بالعلم… عامٌ دراسي تعويضي يعيد رسم ملامح المستقبل* *✍️ سعاد سلامة*

*همس البوادي*

*شمال كردفان تقاوم بالعلم… عامٌ دراسي تعويضي يعيد رسم ملامح المستقبل*

*✍️ سعاد سلامة*

في خطوةٍ تعكس عمق المسؤولية الوطنية وإدراك حجم التحدي أعلنت وزارة التربية والتوجيه بولاية شمال كردفان انطلاقة العام الدراسي التعويضي في توقيتٍ استثنائي فرضته ظروف الحرب ليأتي هذا القرار كاستجابةٍ شجاعة لواقعٍ معقّد ومحاولة جادة لإنقاذ ما تبقى من العام الدراسي وحماية مستقبل آلاف الطلاب الذين تأثرت مسيرتهم التعليمية بتداعيات النزاع

هذا العام لم يأتِ وفق التقويم المعتاد بل جاء محمّلاً بثقل التأخير وتراكم الفاقد التعليمي في ظل أوضاعٍ إنسانية صعبة فرضتها الحرب حيث عانت البنية التحتية التعليمية من أضرارٍ متفاوتة وتوقفت الدراسة لفتراتٍ طويلة وتشتت الطلاب بين النزوح واللجوء، بينما وجد المعلم نفسه في مواجهة تحدياتٍ معيشية ومهنية قاسية ومع ذلك فإن الإصرار على استئناف الدراسة يعكس إرادة لا تنكسرورسالة واضحة بأن التعليم سيظل أولوية مهما تعاظمت الأزمات

لقد تعاملت وزارة التربية والتوجيه بشمال كردفان مع هذا الواقع بروحٍ من المرونة والمسؤولية واضعةً في الاعتبار خصوصية المرحلة فعملت على تهيئة البيئة الممكنة لانطلاق الدراسة رغم شُح الإمكانيات وسعت إلى إعادة تشغيل المدارس تدريجياً وتنسيق الجهود مع الإدارات التعليمية والمجتمعات المحلية لتجاوز العقبات إدراكاً منها أن تأجيل التعليم أكثر يعني تعميق الفجوة وضياع الفرص

ولا تخفى التحديات التي تلازم هذا العام التعويضي فالفاقد التربوي كبير والظروف النفسية للطلاب تحتاج إلى عناية خاصة إلى جانب ضعف الوسائل التعليمية ونقص الكوادر في بعض المناطق فضلاً عن التفاوت بين البيئات المستقرة نسبياً وتلك التي ما زالت تعاني من آثار الحرب إلا أن هذه التحديات على جسامتها لا تُلغي قيمة الخطوة بل تزيد من أهميتها وتجعل من إنجاحها مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود الرسمية والشعبية

إن المطلوب اليوم ليس فقط استئناف الدراسة بل إدارتها برؤية مختلفة تستوعب الظرف الاستثنائي من خلال تبسيط المناهج، واعتماد جداول مرنة وتقديم دعم نفسي واجتماعي للطلاب إلى جانب الاهتمام بالمعلم الذي يُعد حجر الزاوية في العملية التعليمية فلا يمكن الحديث عن تعليمٍ فاعل دون معلمٍ مستقرٍ ومُقدّر

كما أن المرحلة تفرض الانفتاح على حلول بديلة تشمل الفصول المؤقتة والاستفادة من أي وسائط تعليمية متاحة مع تعزيز دور المجتمع في دعم المدارس وإعادة تأهيلها فالتعليم في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يكون مسؤولية جهة واحدة بل هو واجبٌ وطني تشترك فيه كل الأطراف

وفي خضم هذه الجهود يظل الأمل معقوداً على أن تجد هذه الخطوة دعماً حقيقياً من الجهات الاتحادية والمنظمات الدولية لأن استمرار العملية التعليمية في مناطق النزاع يحتاج إلى موارد وإسناد يتجاوز الإمكانيات المحلية خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبةوفي هذا السياق تبرز إشادةٌ مستحقة بالدور القيادي الذي اضطلع به د. وليد محمد الحسن وزير التربية والتوجيه بولاية شمال كردفان الذي اتخذ هذا القرار الجريء في ظرفٍ بالغ التعقيد واضعاً مصلحة الطلاب فوق كل اعتبار ولم يكن القرار مجرد إعلانٍ لانطلاقة العام الدراسي بل جاء مصحوباً بحزمة من التحوطات والترتيبات التي هدفت إلى ضمان استمرارية العملية التعليمية وتقليل المخاطر من خلال مراعاة الأوضاع الأمنية واعتماد المرونة في تنظيم الدراسة والتنسيق مع الجهات ذات الصلة لتوفير الحد الأدنى من الاستقرار داخل البيئة المدرسية

لقد بعثت هذه الخطوة برسالةٍ قوية مفادها أن التعليم لا ينتظر اكتمال الظروف بل يُصنع بالإرادة وأن قيادة واعية يمكنها أن تحول التحديات إلى فرص وأن تحمي حق الأجيال في التعلم حتى في أحلك الأوقات وهي رسالة أمل لكل أسرةٍ سودانية بأن المستقبل ما زال ممكناً وأن أبناءهم لن يكونوا ضحايا للحرب بقدر ما سيكونون صُنّاعاً للغد

من خلال الاستبيان أرى أن مقترح انطلاقة العام الدراسي في مايو 2026م خطوة موفّقة ومهمة لمعالجة الفاقد التعليمي وتعكس حرص وزارة التربية والتعليم على استمرارية العملية التعليمية رغم التحديات وهو توجه يستحق الدعم.

*فاصلة*

إن انطلاقة العام الدراسي التعويضي بشمال كردفان ليست مجرد إجراء إداري بل هي موقفٌ وطني يُجسد الإيمان بأن التعليم هو الطريق الوحيد لبناء ما دمرته الحرب وأن الحفاظ على حق الأطفال في التعلم هو حمايةٌ لمستقبل السودان نفسه وبين دفاتر الطلاب التي عادت لتُفتح وأصوات المعلمين التي عادت لتُسمع يولد من رحم المعاناة أملٌ جديد، يؤكد أن هذا الوطن مهما اشتدت عليه المحن قادرٌ على النهوض من جديد.

اللهم آمِنّا في أوطاننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى