عبق الحروف أشرٌّ أُريدَ بمن في الأرض… أم أن الرشد يولد من رحم العاصفة٠٠٠!! ؟ بدرالدين عبدالقادر ✍️

عبق الحروف
أشرٌّ أُريدَ بمن في الأرض… أم أن الرشد يولد من رحم العاصفة٠٠٠!! ؟
بدرالدين عبدالقادر ✍️
في الأزمنة التي تضجّ بالأسئلة الكبرى ويعلو فيها أزيز الصواريخ وضجيج ترسانة الأسلحة الحديثة فوق همس الحكمةيقف الإنسان مذهولاً أمام مشهدٍ عالميٍ مضطرب،وكأن صدى السؤال القرآني القديم يعود ليطرق أبواب وعينا من جديد:
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.
إنها كلمات قليلة في مبناها عظيمة في معناها تختزن دهشة الكائن الحي حين يعجز عن فهم وادراك ما يجري حوله من تحولاتٍ كبرى وربما لم يكن هذا السؤال أقرب إلى واقعنا كما هو اليوم، والعالم يموج بأمواجٍ من الحروب والتوترات والصراعات التي تتكاثر كغيومٍ ثقيلة في سماء الإنسانية جمعا .
فالكوكب الذي كان يحلم بعصرٍ يسوده السلام والتقدم يبدو الآن وكأنه يسير على حافة قلقٍ طويل خرائط النفوذ تتبدل والتحالفات تتشكل وتتفكك والقوة تعود لتفرض منطقها في كثيرٍ من الساحات وبين هذه الزلازل السياسية يبقى الإنسان البسيط هو الأكثر دفعاً لفواتير الحروب الباهظة.
ولعل الحقيقة التي لا تخطئها البصيرة أن العالم حين يضيق بالعدل يتسع للصراع
وفي هذا التدافع تتكشف سنن التاريخ التي لم تتبدل عبر العصور فالحياة لم تكن يوماً سكوناً دائماً بل حركة مستمرة بين قوى تتجاذبها إرادة البناء وإرادة الهدم ومن هنا يصبح الصراع في بعض وجوهه واشكاله جزءاً من ناموس الدفع والتدافع الذي به تختبر الأمم قوتها وتعيد مراجعة مساراتها.
ولعل اللافت أن هذه الآية التي وردت على لسان نفرٍ من الجن وهم يتأملون ما يجري في الأرض تبدو وكأنها تعبر عن حالنا اليوم بكل ما فيه من حيرة وتساؤل:
أشرٌّ أريد بمن في الأرض بما كسبت أيديهم؟
أم أن الله أراد بهم رشداً يقود إلى إصلاح الحال ويعيد الاعتبار لقيم العدل وينصر محور الحق على الباطل حين يبلغ الصراع مداه؟
فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من المنعطفات الكبرى لم تكن سوى مخاضٍ عسير سبق ميلاد تحولات أعظم وكم من عاصفةٍ ظن الناس أنها نهاية الطريق فإذا بها بداية طريقٍ آخر أكثر اتزاناً ونضجا واوسع براحا من ضيق واقع الحال .
ولذلك فإن قراءة ما يجري في عالم اليوم لا ينبغي أن تقف عند ظاهر المشهد فقط فخلف دخان الحروب وضجيج التحليلات قد تتشكل ملامح مرحلة جديدة تبحث فيها الإنسانية ـ ولو بعد عناء عن توازنٍ أكثر عدلاً وإنصافاً.
نفحة من من آخر العبق
وحين تتكاثر الأسئلة في ازقة الزمن وتبدو السماء مثقلة بغيوم القلق يبقى اليقين بأن للكون ميزاناً لا يختل قد تطول الليالي حين تعصف العواصف لكن الفجر لا ينسى موعده وبين خوف الناس من شرٍّ يلوح في الأفق ورجائهم في رشدٍ يكتبه الله للأرض وأهلها تظل الحقيقة الأعمق أن صراع الحق والباطل قديم… غير أن العاقبة ـ في سنن الله ـ لا تكون إلا للحق وأهله.



