إشراقات انتصار جعفر المسرح السوداني .. صوت الحياة في زمن الحرب

إشراقات
انتصار جعفر
المسرح السوداني .. صوت الحياة في زمن الحرب
على خشبة الحياة، حيث تتلاقح الأحلام مع الآمال، يحتفل العالم في الثامن والعشرين من مارس باليوم العالمي للمسرح، تلك المناسبة التي تتيح لنا الوقوف عند الدور العميق الذي يلعبه الفن المسرحي في تشكيل الوعي الجمعي وإضاءة قضايا المجتمع. فالمسرح، أو “أبو الفنون”، ظل عبر العصور وسيلة فاعلة لرفد المتلقي بالمعرفة والثقافة، في قالب درامي مشوّق، يتفاعل معه الجمهور لحظيا، ليبقى أثره ممتدا في الوجدان.
ويأتي احتفال هذا العام تحت شعار “المسرح وثقافة السلام”، وهي رسالة تبدو أكثر إلحاحا في واقعنا السوداني الراهن، حيث تعصف الحرب بالأرواح والأحلام، وتلقي بظلالها الثقيلة على مختلف مناحي الحياة، بما فيها الحياة المسرحية التي أصابها الضرر البالغ.
فقد تعرضت دور العرض للتدمير الممنهج، وتوقفت نبضات المسرح، وتشتت أهله بين نزوح ومرضٍ وفقد، حتى غاب بعضهم عن دنيانا، ومنهم الفنانة القديرة بلقيس عوض، بعد معاناة قاسية مع النزوح والمرض.
ورغم هذا الواقع القاسي، لم يقف الدراميون السودانيون مكتوفي الأيدي، بل اجتهدوا في ابتكار وسائل بديلة، عبر المسارح الجوالة والاستكشات البسيطة، ليواصلوا أداء رسالتهم. حملوا على عاتقهم نشر الوعي، وتعزيز قيم القومية، ونبذ خطاب الكراهية والعنصرية، وترسيخ مفهوم قبول الآخر، إلى جانب إذكاء روح الوطنية في نفوس الشباب، والدعوة للالتفاف حول القوات المسلحة باعتبارها حامية للوطن.
وما يزيد من خطورة هذه المرحلة أن من بين أهداف الحرب طمس الهوية الوطنية ومحو الإرث الثقافي، وهنا تتجلى أهمية المسرح كأحد أهم الحواضن لهذا الإرث. وقديما قال الفيلسوف وليم شكسبير: “أعطني مسرحًا أعطك أمة”، وهي مقولة تختصر ببلاغة قدرة المسرح على بناء الوعي وصناعة الأمم.
وفي اتجاهٍ مواز، تبرز مسؤولية الدولة—وعلى وجه الخصوص وزارة الإعلام والثقافة والسياحة بقيادة الأستاذ خالد الإعيسر—في الالتفات الجاد إلى الدور المحوري للمسرح في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد، وهي تمضي بخطى متسارعة نحو إعادة إعمار الحياة السودانية، وتجاوز آثار الماضي السالبة، والانفتاح على آفاق التنمية المستدامة.
فالمعركة اليوم لا تختزل في السلاح والمسيرات والطائرات الحربية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى ميادين أكثر عمقا وتأثيرا، حيث يبرز سلاح الوعي والمعرفة بالحقوق والواجبات كأحد أقوى الأدوات في حماية المجتمع وبناء مستقبله.
وهنا يبرز دور المسرح كمنبر للتثقيف والتنوير. ومن النماذج الناجحة في هذا السياق تجربة الجمعية السودانية لرعاية وتوطين زراعة الكبد، التي وظفت المسرح الجوال في الأسواق والتجمعات لنشر الوعي الصحي حول أمراض الكبد، وهو مثال حي على قوة الدراما في التأثير المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة إلى دعم الدولة للقطاع المسرحي، عبر توفير فرص الإنتاج المستمر، سواء من خلال الإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما، أو عبر تشجيع شركات الإنتاج الخاص، ودعم الفرق المسرحية. ولا يغيب عن الأذهان وجود مؤسسات أكاديمية راسخة مثل كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، التي ترفد الساحة سنويا بكوادر مبدعة مؤهلة علميا وفنيا.
كما أن السودان يمتلك إرثا دراميا ثريا، صنعه رواد خالدون، من أمثال خالد أبو الروس، والفاضل سعيد، ومكي سنادة، وتحية زروق، وفتحية محمد أحمد، ورابحة محمد محمود، وفائزة عمسيب، ومحمد خيري أحمد، وفرقة الاصدقاء المسرحية وغيرهم ممن تركوا بصمات لا تمحى في ذاكرة الفن السوداني.
إشراقة أخيرة
المسرح .. منارة الأمل
يبقى السؤال مطروحا: كيف يمكن للمسرح أن يكون منارة أمل في ظل هذه الحرب الضارية؟
الإجابة تكمن في قدرة الفن على تجاوز المحن، وفي إصرار المبدعين على الاستمرار، مهما اشتدت الظروف.
فالمسرح، كالحياة، لا يتوقف، بل يتجدد، ويظل في السودان اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
التحية والتقدير لكل الفنانين والدراميين في يومهم العالمي، مع الأمل أن يعودوا إلى خشباتهم أكثر قوة وعزة، حاملين رسالتهم النبيلة في بناء الإنسان والوطن.
نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.



