نبض الواقع التعليم في وضعٍ قيل عنه أليم… سُعاد أم ارتقاء….. ✍️

نبض الواقع
التعليم في وضعٍ قيل عنه أليم…
سُعاد أم ارتقاء….. ✍️
عندما أُضيفت كلمة “التربية” إلى مسمى وزارة التربية والتعليم لم تأتِ من فراغ، فالتربية تسبق التعليم؛ لأنها تصنع الإنسان الذي يحمل العلم ويصونه غير أن كثيرًا من الناس حين يتحدثون عن حال التعليم اليوم يقولون بحسرة: “يا حليل التعليم… التعليم كان زمان!” وكأن الزمن هو من تغيّر.
والحقيقة أن الزمن لم يتغيّر، فالزمن هو الزمن، لكن الناس هم الذين تغيّروا.
في حقبة من الزمن كانت وزارة التربية والتعليم تمثل أولوية عظمى للدولة، لأنها الركيزة التي تستند عليها كل القطاعات؛ من طب وثقافة وفنون، إلى الأمن والشرطة وسائر مؤسسات المجتمع. كان التعليم يومها رقمًا صعبًا في معادلة البناء الوطني.
لكن عندما بدأت المدارس الحكومية تتراجع، وأصبحت بيئاتها طاردة للمعلمين، وضعفت البيئة المدرسية، وظهرت مظاهر الفساد التربوي، اتجه كثير من الناس إلى المدارس الخاصة. هناك تُنتقى الكوادر وتُدفع أجور مضاعفة للمعلمين، بينما بقيت المدارس الحكومية تعاني حتى كأن الناس كتبوا عليها: الدوام لله.
ويبقى السؤال: من المسؤول؟
هل هي الحكومة؟ أم المعلمون؟ أم التلاميذ؟ أم الأسر؟
في تقديري أن المسؤولية جماعية.
فالحكومة تتحمل نصيبها لأنها لم توفر الأجور الكافية للمعلمين، ولم تهيئ البيئة المدرسية المناسبة.
وإدارة المدرسة تتحمل نصيبها كذلك، حين تتحول بعض الإدارات من رسالة تربوية إلى همٍّ مالي، وهو أمر سنفرده بمقالٍ آخر.
أما الأسر فعليها دور كبير في حماية المدرسة ودعم المعلم ومتابعة الأبناء، وتفعيل دور مجالس الآباء كجسر حقيقي بين البيت والمدرسة.
اليوم عادت السلمية التعليمية إلى ثلاث مراحل كما كانت في السابق. فهل يكون ذلك مؤشرًا لعودة التعليم إلى مكانته؟ وهل يعود المعلم إلى تلك الهيبة التي جعلت المجتمع يومًا ما يتغنى به قائلًا:
“يا الماشي لباريس… جيب لي معاك عريس
شرطًا يكون لبيس… من هيئة التدريس.”
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل يستطيع السيد وزير التربية والتعليم إعادة التعليم إلى مكانته القديمة؟
هل يستطيع أن يجعل الحكومة تدفع أجورًا مجزية للمعلمين حتى لا يهاجروا إلى التعليم الخاص؟
وهل يقدر على تعبئة طاقات الوزارة لتوفير بيئة مدرسية سليمة تعيد الحياة للمسرح المدرسي، والجمعيات الثقافية، والنشاط الصحي والزراعي داخل المدارس؟
إن التعليم في السودان لم يولد في وضعٍ أليم، بل نحن الذين صنعنا هذا الواقع. والمثل الصيني يقول: “لا مستحيل تحت الشمس.”
ما نحتاجه اليوم هو صحوة ضمير، وأن ننظر حولنا لنعرف كيف تقدمت الدول بينما ما زلنا في بعض مدارسنا نكتب بالطباشير الذي يدفع ثمنه التلميذ، ونستخدم سبورة تُسود بالفحم والسكر حتى تظهر الكتابة، وكتابًا يتناوبه التلاميذ على المقعد أسبوعًا بعد أسبوع حتى يأتي دور كل واحد.
إن التعليم العام قضية كبرى ومسؤولية الجميع وهي رسالة أوجهها لكل من يهمه أمر التعليم ولكل من يهمه مستقبل السودان:
إذا أردنا الإعمار والتقدم والازدهار، فعلينا أن نبدأ من إنقاذ التعليم.
ومن طرائف الواقع أن التعليم الخاص يُدفع نقدًا، بينما الحكومي يُقال عنه إنه بالتقسيط!
تحكي إحدى الطالبات أنها دفعت خمسة آلاف جنيه رسوم امتحان شهري، وعندما ظهرت النتيجة قالت لها المعلمة: نتيجتك ب 1500 فقط!
فقالت الطالبة مازحة: ألم تقولوا إن الدفع بالتقسيط؟
ومع ذلك تبقى هناك مدارس حكومية في بعض الولايات قوية ومطلوبة بفضل إدارات ناجحة تعمل بروح الفريق الواحد. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست مستحيلة الحل.
وأقولها صراحة: أتمنى أن يصل راتب المعلم إلى أعلى سلم الرواتب في الدولة، لأنه صانع الأجيال وباني المستقبل.
نواصل…
احترامي



