إشراقات انتصار جعفر.. مشروع الجزيرة..حين يتكلم التاريخ بلغة القطن والماء

إشراقات
انتصار جعفر..
مشروع الجزيرة..حين يتكلم التاريخ بلغة القطن والماء
تظل قصة مشروع الجزيرة واحدة من أجمل الحكايات التي لا يمل السودانيون من ترديدها، ولا يفتر شغفهم كلما لاح في الأفق بصيص أملٍ يعيد إليه ألقه القديم. فهو ليس مجرد مشروع زراعي، بل أيقونة وطنية تختزن في تفاصيلها ذاكرة اقتصاد كان مزدهرا ووجدان شعبٍ كان يرى في “الذهب الأبيض” بوابة للعالم.
مشروع الجزيرة هو ذلك الحلم الذي أنبتته الأرض بين النيلين فصار لوحة فريدة لا تتكرر.
من حقوله خرج القطن الذي جاب الآفاق حتى غدا رمزا للجودة العالمية وتنسج منه أفخر الأقمشة التي ارتداها ملوك وأباطرة وعلى رأسهم الملكة إليزابيث الثانية.
وفي استعادة واعية لهذا المجد أطلت علينا تجربة إعلامية متميزة قادها الزميل الإعلامي (الشاطر والحصيف) زهير بانقا، عبر سلسلة توثيقية مهمة بمناسبة الذكرى المئوية لمشروع الجزيرة، ضمن برنامجه الوطني “أرض الواقع”.
جاءت هذه السلسلة تحت شعارٍ لافت: “السودان لن يجوع”، وهي رسالة تحمل في طياتها كثيرا من التحدي والأمل وتدحض في ذات الوقت دعاوى المشككين والمرجفين أعداء السودان الذين يروجون لأزمة غذاء في بلد ظل عبر تاريخه سلة غذاء وكساء العالم بفضل الله ومشروع الجزيرة العملاق.
استهل زهير بانقا حلقاته بلقاء مع محافظ مشروع الجزيرة، المهندس الزراعي إبراهيم مصطفى علي مستعرضا سيرته وتجربته قبل أن يمضي بالكاميرا في رحلةٍ ثرية داخل المشروع من بداياته التاريخية إلى واقعه الراهن. فالمشروع، الذي يعد من أكبر المشاريع المروية في العالم، تأسس على رؤية استراتيجية منذ مطلع القرن العشرين، وتعزز بقيام خزان سنار في العام 1925م، ليشكل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الزراعة بالسودان.
وتنقلت عدسة البرنامج بين الحقول الممتدة من ود النعمان حيث الماء يعانق التراب وحيث المزارع السوداني يروي الأرض بعرقه وأمله. هناك في قلب المشروع، تتجسد الحكاية الحقيقية حكاية صمود رغم التحديات وإصرار على استعادة الدور الريادي لهذا الصرح العملاق.
كما وثقت الكاميرا فرحة عودة المزراعين لمعشوقتهم الزراعة بعد أن هجروها قسرا بفعل اعمال المليشيا المتمردة الإرهابية الوحشية التي دمرت كل أرجاء المشروع تدميرا ممنهجا.. إلا بعد دحرهم وطردهم من المشروع، حيث بدا المشروع في استعادة عافيته وألقه الوضاء.
إن مشروع الجزيرة لم يكن يوما مجرد مساحة زراعية بل كان وما يزال قلب السودان النابض وركيزة من ركائز أمنه الغذائي وأحد أهم مفاتيح نهوضه الاقتصادي.
ومع كل مبادرة جادة لإحيائه يتجدد الأمل في أن يعود كما كان مصدر فخر وازدهار، وعنوانا لعطاء لا ينضب.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، هل نملك الإرادة الكافية لنكتب فصلا جديدا من هذه القصة العظيمة؟ أم نتركها حبيسة الحنين؟،
الإجابة ليست بعيدة ،فهي كامنة في أرض الجزيرة، تنتظر من يوقظها..
إشراقة أخيرة.
“أرض الواقع”..توثيق يليق بمئوية مشروع الجزيرة
ما قدمه الزميل الإعلامي زهير بانقا عبر برنامجه “أرض الواقع” حول مئوية مشروع الجزيرة، لم يكن مجرد عمل إعلامي عابر، بل تجربة توثيقية رفيعة أعادت تقديم هذا الصرح العملاق بصورة تليق بتاريخه ومكانته.
جاء السرد التاريخي في الحلقات متماسكا وعميقا، يسير بالمشاهد بسلاسة بين محطات الزمن المختلفة، منذ البدايات الأولى للمشروع وحتى واقعه اليوم، دون تعقيد أو افتعال. كان طرحا ذكيا يجمع بين المعلومة الدقيقة والأسلوب الجاذب، مما جعل التاريخ حيا نابضا.
أما الكاميرا، فقد لعبت دورا بطوليا في هذه السلسلة، إذ لم تكتف بنقل الصورة، بل صنعت إحساسا حقيقيا بالمكان،تجولت في كل أرجاء المشروع، بين القنوات والترع، وفي قلب الحقول الخضراء، وعلى مقربة من المزارعين الذين يشكلون روح الجزيرة.
كانت اللقطات غنية، واسعة، وذات دلالة، تعكس عظمة المشروع واتساعه، وتبرز تفاصيله التي قد تغيب عن كثيرين.
نجح “أرض الواقع” في أن يجعل المشاهد يرى مشروع الجزيرة بعين جديدة،عينٍ تقدر تاريخه، وتفهم تحدياته، وتؤمن بقدرته على النهوض من جديد.
كما حملت الحلقات رسالة وطنية واضحة، تؤكد أن هذا المشروع ليس إرثا من الماضي فحسب، بل هو رهان الحاضر وأمل المستقبل.
تحية لزهير بانقا (الشاطر) على هذا الجهد المهني المميز، الذي جمع بين التوثيق الرصين والحس الوطني العالي، وقدم نموذجا يحتذى في الإعلام المسؤول الذي يكتب للتاريخ بقدر ما يخاطب الحاضر.
نصر من الله وفتح قريب



