اخبار محلية

في مفارقة عبقرية لا يصنعها إلا السودان، أن يحمل “دينكاوي” من أقصى الجنوب، جينات “أم درمان”

في مفارقة عبقرية لا يصنعها إلا السودان، أن يحمل “دينكاوي” من أقصى الجنوب، جينات “أم درمان”

 

في دمه، ليصبح لاحقاً واحداً من أهم صنّاع الوجدان والأغنية الحديثة.

وُلد عبد المنعم عبد الحي في بدايات العشرينيات (قرابة العام 1922). تنحدر أصوله الأبوية من قبيلة “الدينكا” العريقة بجنوب السودان، لكن طفولته تفتحت ودرجت في أزقة الخرطوم، ثم تشكلت ملامحها في أروقة مدرستي “الموردة” و”العباسية” بأم درمان.

آمن مبكراً بفلسفة عميقة:

“الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية تسكن فيها… بل هو لحنٌ يسكن فيك، تحمله معك في حقائب السفر أينما ذهبت.”

الهجرة المبكرة.. وجذور لا تُقتلع (النشأة والتكوين)

في طفولته، زامل الشاعر الرقيق “مبارك المغربي”، وكان يسترق السمع لأغنيات الفنان “إبراهيم عبد الجليل” تتسرب من نوافذ الجيران، فتشرّبت أذنه الإيقاع الكامن في الحواري السودانية.

لكن في عام 1934، وفي سن مبكرة جداً، غادر الفتى السودان متجهاً إلى “مصر” ليكمل دراسته.

لم يكن يعلم أن هذه التذكرة ستكون “ذهاباً بلا عودة” جسدياً، لكن روحه وعقله سيظلان يعودان كل ليلة مع تيار النيل، ليغسلا حنينهما في شواطئ أم درمان.

“اللواء” الذي يعزف بالكلمات (الوظيفة والتناقض الجميل)

قد تتخيل أن شاعراً بكل هذه الرقة، كتب أرقّ الأغاني السودانية، لا بد أن يكون متفرغاً للجلوس على النيل وكتابة الشعر!

لكن المفاجأة المدهشة، أن عبد المنعم عبد الحي كان ضابـ.ـطاً صارماً في الجيـ.ـش المصري.

التحق بالكلية الحـ.ـربية وتخرج فيها عام 1942، وتدرج في الرتب والمناصب حتى تقاعد برتبة “لواء”.

عاش الرجل بين عالمين متناقضين تماماً:

عالم “الضبط والربط” والميادين العسـ.ـكرية، والأوامر الصارمة نهاراً.

وعالم “القوافي”، والرميات السودانية، والشجن العميق ليلاً.

الغريب أن البـ.ـدلة الرسمية الخضراء لم تخنق “الجلباب” الأبيض في داخله، بل جعلت حنينه أشد حرارة، وكلماته أكثر صدقاً.

في بيته.. الحزن المخبأ خلف القصائد

استقر في القاهرة، وتزوج من سيدة مصرية، وبنى أسرة دافئة أنجبت له ستة من الأبناء.

ولكن، خلف ابتسامته الهادئة وقصائده الرومانسية، كان هذا الرجل يخفي حزناً بحجم الجبال.

فقد دُعي لتقديم أغلى ما يملك؛ حيث فقد اثنين من أبنائه شـ.ـهداء في ميادين المواجـ.ـهة (الأول في حـ.ـرب 1967، والثاني في حـ.ـرب أكتوبر 1973).

تجرع “الجنرال الشاعر” مرارة الفقد الأكبر مرتين. ورغم قسـ.ـوة ذلك، لم تتوقف كلماته يوماً عن بث الأمل، والحب، والجمال في وجدان الناس. كان يحوّل دموعه الشخصية إلى مواسـ.ـاة عامة.

الشاعر الذي نغني له.. ولا نعرفه!

المفارقة الكبرى في حياة عبد المنعم عبد الحي، أنه الشاعر الأكثر حضوراً في وجداننا، والأقل حضوراً في ذاكرتنا التوثيقية!

نردد أغانيه في الصباحات، وفي جلسات العصاري، وفي حفلات الزفاف، كأنها “فولكلور” أو أغانٍ هبطت من السماء، دون أن ندرك أن خلف كل هذا الشجن “جنرالاً” يجلس في شقته بالقاهرة ويمسك القلم.

كان يمتلك قدرة عجيبة على كتابة “الفصحى” الرصينة، و”العامية” السودانية البسيطة بنفس البراعة.

حوّل شقته في الغربة إلى “بريد مركزي” للأشعار، يرسل منها المظاريف محملةً بالكلمات، لتتلقفها حناجر كبار المطربين في الخرطوم، فتتحول إلى أغانٍ تشكل الذائقة السودانية حتى يومنا هذا.

كتيبة “الروائع”.. مكتبة الأغاني الخالدة

لم يترك عبد المنعم فناناً من “الجيل الذهبي” إلا ووضع في حنجرته بصمة لا تُمحى. لقد قسّم شعره كـ “الأرزاق” على عباقرة الغناء:

مع عميد الفن (أحمد المصطفى):

شكل معه ثنائياً وطنياً وعاطفياً مذهلاً. أعطاه الأيقونة الوطنية “أنا أم درمان”، والتي لخص فيها هويته وقصته حين كتب الشطرة العبقرية: “على ابن الجنوب ضميت ضلوعي”. كما كتب له روائع الشجن: “فارق لا تلم”، و**”أنا أهوى الألم”**.

مع ملك الرومانسية (عثمان حسين):

عندما أراد عبد المنعم أن يوثق للحظات الوداع واللوعة، لم يجد أصدق من صوت أبو عفان. فكتب له الدرة الحزينة “أوراق الخريف”، والأغنية الخفيفة المعاتبة “يا ناس لا لا”.

مع سفير الفرح (سيد خليفة):

كان عبد المنعم يعرف كيف ينتقل من قمة الحزن إلى قمة البهجة. مع سيد خليفة، أطلق العنان للإيقاع الراقص والمفردة الشعبية، فكتب له: “المامبو السوداني” (التي رقصت عليها أفريقيا والدول العربية)، و**”إزيكم.. كيفنكم”، و”أبني عشك يا قماري”، و”حبيبي يا الساكن البوادي”**.

مع الصوت العريض (أبو داؤود):

هنا أخرج عبد المنعم عباءة الفصحى الرصينة والشعر الكلاسيكي، وأهدى عبد العزيز محمد داؤود لوحات فنية معقدة مثل: “يا نديماً عبّ من كأس الصبا”، و**”يا حليلهم دوام بطراهم”، و”عذارى الحي”**.

ومع عمالقة آخرين:

لم يتوقف نبع كلماته؛ فقد غنى له أمير العود إبراهيم الكاشف رائعته “أسمر جميل”.

وتغنى له عثمان الشفيع بـ “أيامنا”، و**”يا النسيت أيامنا”، و”داك الصباح أهو لاح”**.

وغنى له عبيد الطيب الأغنية الخفيفة التي يحفظها الجميع “يا ساير يا ماشي.. والنظرة ماشة وراك”.

وحتى عندما أراد التعبير عن لوعة الغياب، كتب لحمد الريح رائعته الخالدة: “نار البعد والغربة”.

 

الرحيل المنسي.. والخلود المسموع

في العام 1975، في مدينة القاهرة، ترجل الفارس، والشاعر، والإنسان المكلوم.

توفي عبد المنعم عبد الحي بعيداً عن تراب وطنه، بصمت لا يليق بحجم ما قدمه.

عبد المنعم عبد الحي…

الشخصية التي ظلمها الإعلام ونسيها الكثيرون، لكنهم يرددون كلماته كل صباح ومساء.

هو ابن الجنوب، وروح الوسط، والمغترب الذي أثبت أنك لا تحتاج أن تعيش داخل الوطن لتخدمه… بل يكفي أن تعيش الوطن في داخلك.

ترك خلفه “أوراق خريف” لا تذبل أبداً، وصدى أغنيات ستظل تعرّف السودانيين على أنفسهم جيلاً بعد جيل..

 

#قصص_صور_من_السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى