إشراقات.. انتصار جعفر.. مجلس الأمن..حين تتحدث الدبلوماسية بلغة المواقف!!

إشراقات..
انتصار جعفر..
مجلس الأمن..حين تتحدث الدبلوماسية بلغة المواقف!
شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي أمس جلسة خاصة بشأن السودان في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الحرب وتفاقم معاناة المدنيين. وجاءت الجلسة وسط مقترح أمريكي بتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية بما في ذلك الطائرات المسيّرة وهو مقترح أثار نقاشا واسعا داخل المجلس وتحفظات من عدد من الدول.
وفي خضم هذا المشهد برز الموقف الروسي بصورة لافتة إذ رفضت موسكو عبر مندوبها الدائم لدى مجلس الأمن التعامل مع القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع بمنطق المساواة مشيرة إلى اختلاف طبيعة الطرفين ومهامهما. كما انتقدت مساعي الوساطة التي قد تقود إلى فرض تنازلات على الحكومة السودانية ودعت إلى أن تكون أي وساطة أممية بالتنسيق الكامل مع الحكومة السودانية.
وهنا لا بد من الإشادة بهذا الموقف فالمسألة في جوهرها، ليست مجرد انحياز لدولة على حساب أخرى وإنما هي تأكيد على أهمية قراءة المشهد السوداني كما هو وعدم اختزاله في معادلة مبسطة تساوي بين مؤسسة عسكرية وطنية ومليشيا مسلحة. وقد نقلت تقارير الجلسة أن روسيا حذرت من أن توسيع حظر السلاح قد يضر بالقوات المسلحة السودانية.
كما جاء الموقف السعودي ليضيف صوتا عربيا مهما في جلسة مجلس الأمن إذ أشار مندوب المملكة إلى استمرار الانتهاكات الجسيمة والهجمات التي تستهدف المدنيين مؤكدا تطلع بلاده إلى حل سياسي يحفظ وحدة السودان واستقراره. وتبقى المملكة من الدول التي دفعت منذ بداية الحرب باتجاه المسار السياسي والإنساني وكان من أبرز محطات ذلك منبر جدة.
أما الموقف الباكستاني فقد حمل بدوره رسالة واضحة بضرورة التمييز بين الدولة ومؤسساتها الوطنية وبين الجماعات المسلحة وهو موقف يستحق التقدير متى كان هدفه حماية مفهوم الدولة وسيادتها ومنع تحويل الصراعات الداخلية إلى ذريعة لإضعاف مؤسسات الدول.
وفي الاتجاه ذاته جاءت المداخلة المصرية لتؤكد ضرورة التعامل بحذر مع أي حظر شامل للأسلحة مع التركيز على وقف تدفق السلاح والمرتزقة إلى المليشيا وهي رؤية تنطلق من أن معالجة الحرب لا تكون بإضعاف مؤسسات الدولة وإنما بوقف مصادر التصعيد وتجفيف قنوات الدعم الخارجي والذهاب إلى تسوية تحفظ وحدة السودان وسيادته.
وهذه المواقف المتعددة وإن اختلفت في التفاصيل تلتقي عند حقيقة أساسية أن السودان ليس مجرد ساحة لصراع عسكري وإنما دولة ذات سيادة ومؤسسات وشعب يدفع الثمن الأكبر من استمرار الحرب.
ومن هنا فإن أي جهد دولي صادق يجب أن يتجه أولا إلى حماية المدنيين ووقف تدفق السلاح إلى المتمردين ومنع التدخلات الخارجية التي تطيل أمد الحرب ودعم مسار سياسي سوداني يحفظ وحدة البلاد ويعيد للدولة مؤسساتها وهيبتها.
كما أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يبنى على تجاهل جذور الأزمة أو فرض معادلات سياسية من الخارج، وإنما يحتاج إلى إرادة سودانية وإسناد دولي متوازن وإلى الاعتراف بأن استقرار السودان مصلحة للسودانيين وللإقليم وللمجتمع الدولي كله.
إشراقة أخيرة..
الحارس مالنا ودمنا!!
وكالعهد به كان فارس الجولة وبطلها الهمام سفير السودان لدى مجلس الأمن الدولي السفير الحارث إدريس الحارث حاضرا بقوة في جلسة مجلس الأمن مرتبا في حديثه واثقا في حجته واضحا في دفاعه عن بلاده وفنّد ما طرح من مبررات للمقترح الأمريكي مؤكدا أن توسيع العقوبات وحظر الطيران على كامل السودان لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإضعاف الدولة ومؤسساتها الوطنية.
وقد حمل حديثه رسالة أساسية مفادها أن حماية المدنيين لا تكون بإجراءات قد تقيّد قدرة الدولة على حماية مواطنيها وإنما بالضغط الحقيقي على الجهات التي تمد الحرب بالسلاح والمال وبملاحقة مصادر الدعم الخارجي التي تسهم في استمرار النزاع.
لقد كانت جلسة مجلس الأمن بكل ما حملته من مواقف اختبارا جديدا للدبلوماسية السودانية وأثبت الحارث إدريس أن الصوت السوداني حين يكون حاضرا بالحجة والوثيقة والثبات قادر على أن يفرض نفسه في المحافل الدولية.
والشكر لكل صوت دولي وقف مع وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية ولكل دولة دعت إلى السلام دون أن تجعل السلام مدخلا لإضعاف الدولة أو فرض الوصاية عليها.
فالسودان يحتاج إلى السلام نعم..لكنه يحتاج إلى سلام عادل يحفظ الدولة ويصون السيادة ويحمي الشعب ويضع حدا لتدفق السلاح والدعم الخارجي ويترك للسودانيين حق تقرير مستقبل وطنهم.
وتبقى الكلمة الأخيرة: السودان وطنٌ لا يُختصر في حرب وشعبٌ لا يُختزل في معاناة، ودولةٌ تستحق سلاما يحفظ لها وحدتها وكرامتها وسيادتها..
نصر من الله وفتح قريب

