اخبار محلية

؛؛؛ نبض الواقع؛؛؛  الجبايات التي أفقرت المواطن ولم تُغنِ الدولة سعاد أم ارتقاء… ✍️

؛؛؛ نبض الواقع؛؛؛

 

الجبايات التي أفقرت المواطن ولم تُغنِ الدولة

 

سعاد أم ارتقاء… ✍️

 

 

تحوّلت عبارة البروفيسور كامل إدريس رئيس مجلس الوزراء حين قال إن الجبايات أفقرت المواطن ولم تُغنِ الدولة إلى حديث الساعة في الساحة السياسية والإعلامية تناولها الكُتّاب والمحللون كلٌّ من زاويته، غير أن الحقيقة التي لا يختلف حولها كثيرون أن المواطن ظلّ الحلقة الأضعف في معادلة الرسوم والجبايات المتكاثرة

فالمواطن البسيط الذي غالبًا لا يعرف تفاصيل حقوقه القانونية ولا يملك القدرة على المطالبة بها يجد نفسه أمام واقع لا يملك فيه سوى الدفع. يدفع الرسوم والزيادات التي قد تصل أحيانًا إلى نسبٍ باهظة، بينما لا يلمس انعكاسًا حقيقيًا لذلك على الخدمات أو على خزينة الدولة. والنتيجة أن الجبايات أثقلت كاهله، في حين بقيت الدولة نفسها بعيدة عن الاستفادة الحقيقية منها إذا لم تُحكم الرقابة وتُسد منافذ الفساد.

 

 

 

حديث رئيس الوزراء عن رفض دفع أي رسوم غير قانونية جاء ليضع الإصبع على جرحٍ قديم. فهذه ليست مجرد مسألة مالية بل قضية حكمٍ وإدارةٍ وعدالة وإذا لم يكن هناك قانون واضح يُطبَّق على الجميع بلا استثناء، فإن الحديث عن دولة المؤسسات يظل مجرد أمنية.

 

 

 

إن السودان قبل الحرب وبعدها، يواجه تحديات عديدة، لكن من أخطرها غياب الانضباط المؤسسي وضعف الالتزام بالقانون. فالحرب لا ينبغي أن تكون شماعة تُعلّق عليها كل الإخفاقات. هناك أزمات أعمق: أزمة ضمير حين يتكرر الظلم حتى يظنه البعض حقًا وأزمة أخلاق عندما يُساء استخدام النفوذ والسلطة لخدمة المصالح الشخصية فضلًا عن ضعف التأهيل وانتشار الجهل والعصبية.

كثير من القرارات تصدر اليوم وتُتداول في وسائل الإعلام، لكنها تنتهي بانتهاء الحدث الذي صاحَبها. السبب بسيط: القرار بلا رقابة ومتابعة يظل حبرًا على ورق. إن أي قرار يحتاج إلى آلية تنفيذ صارمة وإلى محاسبة واضحة ورادعة لأن القانون حين يُطبَّق بجدية فقط يبدأ الناس في احترامه والالتزام به.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: لماذا تتكرر الفوضى في بعض ممارساتنا اليومية؟ لماذا يساء استخدام السلطة؟ ولماذا تنتشر العشوائية؟ الإجابة في جوهرها واحدة: غياب القانون أو ضعف تطبيقه.

 

 

 

ولنا في بعض الأحداث القريبة مثال. عندما اجتاحت موجة الذباب ولاية البحر الأحمر ضجت وسائل الإعلام وانتشرت الانتقادات وسارع كثيرون إلى تحميل المسؤولية للسلطات النقد مطلوب لكنه لا يكفي وحده. فالمجتمع أيضًا شريك في المسؤولية ولا يمكن للحكومة وحدها أن تقوم بكل شيء.

 

 

 

إن الوعي المجتمعي جزء أساسي من الحل؛ عبر حملات التوعية والمبادرات الشبابية والأنشطة الثقافية والمسرحية وحتى المشاريع البسيطة التي يمكن أن تقلل المخاطر البيئية والصحية. فالمجتمعات الحية لا تنتظر الحلول من فوق فحسب، بل تصنع جزءًا منها بجهود أبنائها

 

 

.

واقع قبل الأخير

المواطن السوداني يبدو وكأنه يدفع ثمن تداخل أزمات عديدة: إهمال إداري وجشع بعض التجار ووطأة الحرب، وتقلبات الزمن. فكلما ارتفعت أسعار السلع أو المحروقات كان المواطن هو من يتحمل الفاتورة النهائية. وهكذا اعتدنا على معادلة مقلوبة: المواطن يسند الدولة بدل أن تسند الدولة مواطنيها.

غير أن الأمل يظل قائمًا في أن تتغير هذه المعادلة وأن تُدار البلاد برؤية رشيدة تضع كرامة المواطن في مقدمة الأولويات.

 

 

 

واقع أخير

حين يُدعى السودانيون في الخارج للعودة إلى وطنهم بعد سنوات من الغياب فإنهم يعودون محمّلين بالأمل يتابعون الأخبار والانتصارات والصمود ويتطلعون إلى واقع أفضل. لكن خيبة الأمل قد تكون قاسية إذا لم يجدوا على الأرض ما يوازي تلك التطلعات.

لهذا يبقى المبدأ الأوضح والأكثر إلحاحًا:

القانون… ثم القانون… ثم القانون

 

 

القانون الذي ينظّم الشارع والسوق والإدارة ويطبق على الجميع دون استثناء؛ على المسؤول قبل المواطن وعلى الغني قبل الفقير. حينها فقط يمكن أن تتغير المعادلة ويستعيد الناس ثقتهم في الدولة ومؤسساتها.

فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالعدل، والنظام، وسيادة القانون.

دمتم بخير.

 

احترامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى