مقالات الرأي

الإعيسر: أمن السودان وسيادته خط أحمر بقلم: علاء الدين محمد ابكر

الإعيسر: أمن السودان وسيادته خط أحمر

 

بقلم: علاء الدين محمد ابكر

 

عندما يأتي التصريح صادراً عن مسؤول بحجم وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، الأستاذ خالد الإعيسر، فإن الحديث يكون قد اتخذ منحىً آخر تماماً. لم يعد الأمر مجرد بيان صحفي عابر، بل هو إعلان موقف دولة، ورسالة سيادية واضحة تقول للعالم: السودان ليس حملاً وديعاً غير قادر على حماية شعبه، وليس ساحة مفتوحة للعبث بسيادته.

 

السودان بلد له تاريخ حافل بالانتصارات، ويكفي فقط مراجعة صفحات التاريخ لندرك من هو هذا الشعب.

 

راجعوا حروب سلطنة سنار ضد محاولات الأحباش للتوسع على حسابها، فكانت حملة ملكهم إياسو التي مُنيت بهزيمة كبرى. وتمر السنوات وتحاول الحبشة، التي كانت تعرف بهذا الاسم حتى استبدله الملك منليك باسم إثيوبيا، وهو اسم أطلقه الإغريق على بلاد كوش، السودان الحالي، وليس للحبشة علاقة بهذا الاسم، فكانت عبارة عن دويلات متحاربة أشهرها مملكة أكسوم.

 

عادت الحبشة بعد هزيمتها الأولى على يد الجيش السناري العبدلابي، وعادت في عهد الدولة المهدية للتوسع مجدداً في السودان، ولكن كان في انتظارها القائد حمدان أبو عنجة الذي لقّن الأحباش هزيمة نكراء، ودخل عاصمة بلادهم مدينة قندر التي تقع بالقرب من بحيرة تانا. وحاول الأحباش العودة مرة أخرى بعد وفاة القائد حمدان أبو عنجة، فكان في انتظارهم القائد الزاكي طمل الذي أنزل بهم هزيمة عظيمة.

 

وأتت الحرب العالمية الثانية واحتلت الجيوش الإيطالية الحبشة، فلجأ مليكها هيلاسلاسي إلى السودان، ولم يتمكن من استرداد عرشه إلا بعد أن تمكنت قوة دفاع السودان من طرد الجيش الإيطالي المدجج بالأسلحة الحديثة، حيث كان اعتماد بريطانيا في الحرب العالمية الثانية على الجنود السودانيين، خاصة في جبهتي شرق وشمال أفريقيا.

 

وتمر السنوات والسودان يفتح حدوده للاجئين من إثيوبيا، ويتقاسم معهم الطعام والعلاج والسكن والتعليم، ورغم ذلك ترد إثيوبيا العرفان بالجحود.

 

ومن هذا التاريخ الطويل، ومن هذا الجحود المتكرر، جاءت تغريدة الوزير خالد الإعيسر يوم الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، لتضع النقاط على الحروف، وتدعو أديس أبابا لمراجعة سياساتها، وتشدد: أمن السودان وسيادته خط أحمر.

 

لقد بدأ الإعيسر تغريدته بتذكير مؤلم ومفارقة لا يمكن تجاوزها: إثيوبيا دولة مقر الاتحاد الإفريقي، ومع ذلك تخالف أسس تأسيس الاتحاد نفسه، بالسماح باستخدام أراضيها للاعتداء على دول الجوار. فكيف يمكن للعمل الإفريقي المشترك أن ينهض ويتطور، بينما الدولة التي تحتضن مقر أكبر منظمة إفريقية، وتعلن حرصها على حماية حقوق شعوب القارة وصون أمنها واستقرارها، هي نفسها من تقوض هذه المبادئ؟

 

وأوضح الوزير أن إثيوبيا تنتهك بذلك حقوق ومبادئ حسن الجوار والسلم والأمن، من خلال احتضانها للعصابات المسلحة والمرتزقة، وإرسال الطائرات المسيرة لاستهداف وتدمير البنى التحتية والمنشآت المدنية، بما في ذلك محطات المياه والكهرباء والوقود، كما يحدث الآن في السودان. وهي منشآت تمس حياة المواطنين وحقوقهم الأساسية، وتخدم مصالح الشعوب الإفريقية، وليست أهدافاً عسكرية.

 

ثم انتقل الإعيسر إلى قلب الاتهام، فقال إن السودان دولة جارة وعضو مؤسس لمنظومة الاتحاد الإفريقي، ومع ذلك سمحت إثيوبيا بوجود ميليشيا الدعم السريع المتمردة لممارسة أنشطتها الإرهابية انطلاقاً من مطاراتها وأراضيها، وسمحت كذلك لحكومة أبوظبي بمد أخطر ميليشيا إجرامية عرفها العالم بكل أنواع العتاد والأسلحة الاستراتيجية والطائرات المسيرة.

 

وأشار الوزير إلى أن هذه الميليشيا ترتكب انتهاكات جسيمة بحق أبناء وبنات السودان، وتقتلهم بدوافع عنصرية وقبلية، ومن المؤسف أن تجد هذه الميليشيا الإرهابية ملاذاً أو مساحة للتحرك على الأراضي الإثيوبية.

 

ولم ينسَ الإعيسر أن يفرّق بين الشعب والقيادة، فأكد أن السودان يرتبط جغرافياً بحدود مشتركة مع إثيوبيا، وتجمعه بالشعب الإثيوبي علاقات تاريخية وديموغرافية وروابط إنسانية واقتصادية وثيقة للغاية، والشعب السوداني يكن للشعب الإثيوبي كل الاحترام والتقدير. فالخلاف ليس مع الشعب، بل مع سياسات قيادة تتناقض مع كل هذا التاريخ المشترك.

 

وعليه، حمّل الوزير القيادة الإثيوبية المسؤولية كاملة، وطالبها بأن تراجع، بأسرع ما يمكن، هذه السياسات الخرقاء، وأن توقف هذه التصرفات العدوانية، وألا تسمح باستخدام الأراضي الإثيوبية ممراً لتمرير الأجندات المعادية لأهداف ومبادئ الاتحاد الإفريقي، ولتطلعات شعوب القارة الإفريقية وشعاراتها التحررية التي رفعها رواد حركات التحرر الأوائل، في مواجهة السياسات والممارسات الاستعمارية التي تزرع الفرقة والتمييز بين أبناء القارة السمراء، وتسمح لأعداء النهضة الإفريقية بالتمدد عبر أراضيها واستخدام مطاراتها للاعتداء على دول الجوار.

 

وختم الإعيسر تغريدته بالرسالة التي أرادها أن تصل واضحة لا لبس فيها: إن السودان لا يزال ينتهج دبلوماسية الفرصة الأخيرة، مستصحباً كل قيم التعاون والتشارك مع دول الجوار، والتمسك بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول. وعلى إثيوبيا وقف هذه التعديات على السودان فوراً؛ لأن احترام السيادة ومبادئ حسن الجوار مسؤولية لا تقبل التأجيل، وسيادة السودان وأمنه القومي خط أحمر!

 

إنها رسالة التاريخ والحاضر معاً. السودان الذي حمى غيره بالأمس، وقاتل من أجل تحرير جيرانه، وفتح بيوته للاجئين، وقاسمهم لقمة العيش، لن يقبل اليوم أن تُستخدم أراضي جيرانه منصة لضرب محطات مياهه وكهربائه ووقوده، ولقتل أبنائه وبناته.

 

لقد أراد الوزير أن يقول لأديس أبابا: راجعوا حساباتكم قبل فوات الأوان، فالتاريخ لا يرحم، والجغرافيا لا تتغير، والشعوب تبقى والسياسات العابرة تذهب. السودان جار لا يُستغنى عنه، وشعب لا يُهزم، ودولة إن صبرت فصبرها حكمة، وإن غضبت فغضبها لا يُحتمل.

 

سيادة السودان وأمنه القومي خط أحمر، ومن تجاوزه فليتحمل عواقب تجاوزه.

 

علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى