إشراقات.. انتصار جعفر.. الموانئ السودانية ..من بوابة البحر إلى رافعة الاقتصاد

إشراقات..
انتصار جعفر..
الموانئ السودانية ..من بوابة البحر إلى رافعة الاقتصاد
ليست الموانئ مجرد أرصفة تستقبل السفن وتغادر منها البضائع وإنما هي شرايين اقتصادية وجسور للتواصل بين الشعوب والأسواق وبوابات يمكن أن تعبر من خلالها الدول نحو آفاق أوسع من التنمية والاستثمار والتجارة.
ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر الدولي الأول للموانئ السودانية الذي شهدته مدينة بورتسودان امس الأول بمشاركة إقليمية ودولية واسعة وبحضور مسؤولين وخبراء ومختصين في النقل البحري والاستثمار لبحث مستقبل الموانئ السودانية ودورها في تعزيز الاقتصاد الوطني.
السودان يمتلك ميزة استراتيجية لا يمكن تجاهلها؛ فموقعه على البحر الأحمر يمنحه نافذة مهمة على أحد أبرز الممرات البحرية في العالم. وهذه الميزة الجغرافية لا ينبغي أن تظل مجرد حقيقة تُذكر في المؤتمرات بل يجب تحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية من خلال تطوير الموانئ وتحسين الخدمات وخفض تكاليف الشحن وجذب الاستثمارات وتعزيز قدرة السودان على خدمة أسواقه وأسواق دول الجوار غير الساحلية.
ولعل ما حمله المؤتمر من رسائل يؤكد أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجاوز الحديث عن الموانئ كمواقع منفصلة إلى النظر إليها باعتبارها منظومة اقتصادية ولوجستية متكاملة ترتبط بشبكات النقل، ومناطق الإنتاج والأسواق وسلاسل الإمداد.
وهذا ما أكده عضو مجلس السيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر حين دعا إلى فتح الباب أمام الاستثمارات الجادة وبناء شراكات تعود بالنفع على الجميع مع الاستفادة من موارد ساحل البحر الأحمر وتطوير وتوسعة الموانئ القائمة وإنشاء موانئ جديدة ومناطق حرة وصولاً إلى خطط استراتيجية محددة بجداول زمنية قابلة للتنفيذ.
كما اكده وزير النقل سيف النصر التجاني هارون الذي قال إن الموانئ السودانية تمثل بوابة استراتيجية للتجارة العالمية مستفيدة من موقع السودان على البحر الأحمر وساحله الممتد لنحو 800 كيلومتر مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على تطويرها وتحديث بنيتها التحتية والتحول نحو الموانئ الذكية والخضراء بما يعزز كفاءة التشغيل والاستدامة.
كما أن تعهد مدير عام هيئة الموانئ البحرية المهندس جيلاني محمد جيلاني بالتعاون الكامل وتبسيط الإجراءات لضمان حقوق المستثمرين يمثل رسالة مهمة للقطاع الخاص فالاستثمار لا يبحث فقط عن الموارد والمواقع الاستراتيجية وإنما يحتاج إلى بيئة واضحة وإجراءات مرنة وشراكات تحفظ الحقوق وتضمن الاستدامة.
وفي الجانب الآخر يكتسب التعاون السوداني المصري في مجال الموانئ أهمية خاصة، في ظل امتداده لأكثر من أربعة عقود وما قدمه معهد تدريب الموانئ المصري من دعم في مجال التدريب وتأهيل الكوادر وتطوير الخبرات. وهي خبرة يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة خاصة أن مستقبل الموانئ لم يعد قائماً على المعدات والأرصفة فقط وإنما على الإنسان المؤهل والتكنولوجيا الحديثة.
وهنا تبرز واحدة من أهم مخرجات المؤتمر والمتمثلة في الدعوة إلى إعداد مخطط استراتيجي متكامل وشامل للموانئ السودانية يحدد أدوارها وتخصصاتها ويربطها بشبكة النقل واللوجستيات الوطنية والإقليمية مع التركيز على البنية التحتية الذكية والمرنة.
والأهم أن المؤتمر لم يكتفِ بالتوصيات العامة بل حدد أربعة محاور أساسية للتحرك: تسريع التحول الرقمي وتعزيز التكامل مع سلاسل الإمداد ودعم المناطق الحرة والشراكات الاستثمارية إلى جانب تطوير العنصر البشري وتأهيله لمتطلبات المستقبل.
كما أن الاتفاق على تحويل المؤتمر إلى ملتقى سنوي وعقد نسخته الثانية في أكتوبر 2027 تحت شعار «نحو موانئ سودانية محورية، ذاتية، مستدامة وتنافسية»، يمثل خطوة إيجابية إذا ارتبطت المتابعة بقياس حقيقي لما تم تنفيذه من توصيات.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأوراق التي تبقى حبيسة قاعات المؤتمرات بقدر حاجته إلى تحويل الرؤى إلى مشروعات والتوصيات إلى برامج والخطط إلى واقع ملموس.
الموانئ يمكن أن تكون إحدى أهم روافع التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وأن تتحول من مجرد بوابة بحرية إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية والاستثمار. لكن ذلك يتطلب إرادة تنفيذية وتشريعات جاذبة وبنية تحتية حديثة وكوادر مؤهلة وشراكات ذكية تحفظ للسودان موارده وسيادته وتفتح في الوقت ذاته أبواب الاستثمار..
إشراقة أخيرة..
جسر التنمية..
البحر الأحمر منح السودان موقعاً استراتيجيات والمؤتمر وضع الرؤية.. ويبقى التحدي الحقيقي أن تتحول الرؤية إلى عمل والعمل إلى إنجاز لتصبح الموانئ السودانية جسراً للتنمية وبوابة لاقتصاد أكثر قوة واستدامة…
نصر من الله وفتح قريب.



