بشير مرسال.. والي بحجم وطن* *بقلم: جارالنبي حسن الحاج*

*بشير مرسال.. والي بحجم وطن*
*بقلم: جارالنبي حسن الحاج*
في زمن الحرب والشتات، تبرز معادن الرجال، ويظهر القادة الذين لا تصنعهم المناصب بل تصنعهم المواقف.. ومن هؤلاء يبرز الأستاذ بشير مرسال حسب الله والي ولاية جنوب دارفور، الرجل الذي وحد مكونات ولاية بحجم قارة في أحلك الظروف.
لم يكن مرسال مجرد والٍ يجلس في المكاتب، بل كان قائد ميدان حقيقي، استطاع أن يجمع شتات أهل دارفور في الولايات الآمنة، وأن يحول معاناة النزوح إلى برامج عمل ملموسة يشهد بها القاصي والداني.
للأمانة والتاريخ، كان أول والٍ ينجح في تنفيذ أنشطة وبرامج حكومية خارج حدود ولايته بعد انسحاب قواتنا المسلحة الباسلة من مدينة نيالا في إطار إعادة التموضع لمعركة الكرامة، وبدأ مسيرته بمعركة لا تقل ضراوة عن معارك السلاح، معركة التعليم.
حين ظن الكثيرون أن مستقبل الطلاب قد ضاع، قاد الوالي بشير مرسال ملحمة وطنية حقيقية لترحيل طلاب الشهادة السودانية من داخل مناطق سيطرة التمرد إلى الولايات الآمنة وفي مقدمتها ولاية نهر النيل، بفضل الله أولاً وبجهد الوالي وأولياء أمور الطلاب الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية. لم تكن مهمة سهلة، بل كانت مخاطرة كبيرة، في وقت كانت فيه المليشيا تمنع ذهاب الطلاب لأداء الامتحانات وتقوم باحتجاز الكثير منهم وترحيلهم إلى سجن دقريس سيء السمعة. ورغم ذلك تم ترحيل الطلاب عبر طرق مختلفة من نيالا ومناطق التمرد المختلفة إلى ولاية نهر النيل، وتوفير السكن والإعاشة والترحيل الداخلي ومراكز الامتحانات لهم، حتى جلسوا للامتحانات في عزة وكرامة، في رسالة قوية بأن التعليم خط أحمر وأن إرادة الطلاب أقوى من رصاص المليشيا.
ولم يقف جهده عند التعليم، بل امتد ليضمد جراح النزوح، حيث شكل وللتاريخ أول مكتب تنسيق لولاية جنوب دارفور بولاية شمال دارفور، وكان له السبق في حصر النازحين وتقديم المساعدات الإنسانية لهم عبر لجنة التنسيق والمتابعة بالولاية. طرق كل الأبواب بحثاً عن لقمة عيش كريمة لأهله، ولم يترك نازحاً إلا ووصله.
وفي إطار تثبيت هيبة الدولة وترسيخ مبدأ المحاسبة، كان الأستاذ بشير مرسال هو أول والٍ في السودان يتخذ إجراءات حاسمة وشجاعة بحل وإيقاف المتعاونين مع التمرد، فقام بإيقاف العاملين في الخدمة المدنية المتعاونين مع مليشيا آل دقلو الإرهابية، وقام بحل قادة الإدارة الأهلية والعمد المتعاونين مع التمرد واتخذ ضدهم إجراءات قانونية حاسمة، مؤكداً أنه لا مكان للخونة بين الشرفاء، ليكون بذلك قدوة لكل ولاة السودان في الوطنية والانحياز للدولة.
ورغم الظروف الراهنة وشح الموارد والحرب، أوفى الرجل بوعده في صرف رواتب العاملين والسعي مع الجهات ذات الصلة لمعالجة جميع المتأخرات، فظل راتب العامل يصله في موعده، في موقف يحسب له ولوزيرة المالية الأستاذة نعمات يس والعاملين بوزارة المالية بالولاية الذين كان لهم الدور الكبير في انتظام الصرف رغم التحديات، وهو ما يؤكد أنه رجل دولة من طراز فريد يعرف قيمة الإنسان ويقدر جهود فريق عمله.
وفوق ذلك لم ينس واجبه الوطني، فكان حاضراً في خندق معركة الكرامة، مهتماً بحشد المستنفرين، ومسيراً للقوافل تلو القوافل لإسناد متحرك الصياد وقيادة الفرقة السادسة مشاة “16” التابعة لولاية جنوب دارفور، مؤكداً أن دارفور قلبها مع قواتها المسلحة.
ما يميز هذا الرجل قل أن تجد مثله في هذا الزمان.. رجل يتميز بالتواضع الجم واحترام الجميع صغيرهم وكبيرهم، لا يعرف العنصرية ولا تعرف العنصرية إلى قلبه طريقاً. ولأنه ضابط إداري مخضرم، عمل في أغلب مناطق ومدن وقرى السودان، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، فهو يعرف السودان قرية قرية.
بشير مرسال لم يكن والياً لجنوب دارفور فقط، بل كان والياً لكل السودانيين، يحمل هم النازح في نهر النيل والخرطوم والقضارف، وهم الجندي المرابط في الصحراء، وهم الطالب الذي تم إجلاؤه من مناطق التمرد ليكمل تعليمه في الولايات الآمنة.
في رحلة الجوير بالمتمة رأينا كيف يحتفي به أهل الشمال، وكيف يكرمه أهل نهر النيل.. لأنه ببساطة رجل أحب الناس فأحبوه.
سيكتب التاريخ أن في زمن الانهيار، كان هناك رجل يبني، وفي زمن الفرقة كان هناك رجل يوحد، ذلك هو الأستاذ بشير مرسال حسب الله.

