التعليم العالي بين قدسية الرسالة وضغوط المعيشة بقلم :إدريس هشابه

التعليم العالي بين قدسية الرسالة وضغوط المعيشة
بقلم :إدريس هشابه
لا شك أن رسالة التعليم، ودور المعلم على وجه الخصوص، تقترب في عظمتها من مهام الأنبياء؛ لما تحمله من أثر عميق في تشكيل وعي الإنسان وبناء المجتمعات. فالمعلم لا يقتصر دوره على نقل العلوم والمعارف، بل يمتد ليشمل غرس القيم والأخلاق، وصناعة أجيال تحمل لواء المعرفة وتتصدى للجهل والتخلف.
ما دفعني لكتابة هذه السطور هو ما يتواتر هذه الأيام عن حراكٍ وسط أساتذة التعليم العالي، تقوده – أو يُنسب إلى – نقابة التعليم العالي، مع تحفظي على دقة هذا الوصف في ظل غياب الهياكل النقابية الشرعية خلال المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد. غير أن المؤكد، بحسب إفادات عدد من الأصدقاء العاملين في هيئة التدريس، أن هناك حراكًا متصاعدًا داخل أروقة الجامعات، يتمحور حول مطالب قديمة متجددة، أبرزها تحسين الأجور بما يتناسب مع الأوضاع المعيشية المتدهورة.
لقد أفرزت الحرب واقعًا اقتصاديًا قاسيًا، طالت تداعياته كل تفاصيل الحياة، وكان من الطبيعي أن تتآكل قيمة الرواتب، بما فيها رواتب أساتذة الجامعات. صحيح أن هذه الشريحة خاضت حراكًا مماثلًا قبل اندلاع الحرب، وأسفر حينها عن زيادات اعتُبرت مقبولة في وقتها، إلا أن تلك الزيادات لم تصمد أمام الانهيار المتسارع للعملة، لتصبح اليوم جزءًا من الماضي لا يلبي أدنى متطلبات العيش الكريم.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المطالب الحالية منطقية ومشروعة، بل وضرورية. فالدول التي سعت للنهوض لم تفعل ذلك إلا عبر بوابة التعليم، ومن خلال تقدير المعلم ماديًا ومعنويًا، ووضعه في المكانة التي تليق بدوره المحوري في البناء الوطني.
غير أن ما يُؤخذ على هذا الحراك هو توقيته، إذ يأتي في ظل حربٍ أنهكت البلاد وأثقلت كاهل الدولة، وفتحت أبوابًا متعددة للأزمات. فالتصعيد، خاصة إذا بلغ مرحلة الإضراب، قد يفضي إلى أزمة جديدة تُضاف إلى رصيد الأزمات المتراكمة، وهو ما لا تحتمله البلاد في هذه المرحلة الدقيقة.
ومع ذلك، فإن هذا التحدي لا ينبغي أن يُقابل بالتجاهل أو الرفض، بل بالحوار المسؤول. إذ يمكن الوصول إلى تفاهمات متوازنة بين الجهة التي تمثل هيئة التدريس والجهات الرسمية، بما يضمن حفظ حقوق الأساتذة من جهة، وعدم تعطيل مسيرة التعليم من جهة أخرى.
إن التعليم العالي، في مثل هذه الظروف، لا يُعد ترفًا يمكن تأجيله، بل هو أحد مفاتيح الخروج من الأزمة. فالجامعات تضم عقولًا وخبرات قادرة على تقديم رؤى وحلول تسهم في إنقاذ البلاد في مختلف المجالات، خاصة في ظل غياب السلطة التشريعية وما يترتب على ذلك من فراغ في صناعة القرار.
ختامًا، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بعدالة مطالب أساتذة التعليم العالي، كما يقتضي في الوقت نفسه تغليب الحكمة في إدارة هذا الملف، بما يحقق التوازن بين قدسية الرسالة التعليمية وضغوط الواقع المعيشي، ويجنب البلاد أزمة جديدة في وقتٍ هي أحوج ما تكون فيه إلى التماسك والتعافي.



