مقالات الرأي
أخر الأخبار

السودان والسعودية… شراكة ما بعد الحرب بقلم :إدريس هشابه

السودان والسعودية… شراكة ما بعد الحرب
بقلم :إدريس هشابه

 

في لحظة سياسية دقيقة من تاريخ السودان، تبرز إعادة تفعيل آليات التعاون المؤسسي مع المملكة العربية السعودية بوصفها مؤشرًا على انتقال العلاقات الثنائية من إطار المجاملات واللقاءات إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. فالعلاقات بين الخرطوم والرياض لم تكن يومًا طارئة أو محكومة بالظرف، بل تأسست على عمق تاريخي، وروابط إنسانية، ومصالح متبادلة صمدت أمام تقلبات الإقليم.
السعودية، بثقلها السياسي والاقتصادي، ظلت حاضرًا داعمًا للسودان في مختلف مراحله، لا سيما في الأوقات العصيبة. وقد عرفت القيادة السعودية، عبر عقود، كيف تُوازن بين ثوابت الموقف وحسابات المستقبل، وهو ما يتجلى اليوم في رؤية متكاملة يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ويترجمها عمليًا ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، الذي أعاد صياغة مفهوم الشراكات الإقليمية على أساس المصالح المستدامة لا الدعم المؤقت.
بالنسبة للسودان، فإن هذه المرحلة تمثل فرصة نادرة لإعادة تعريف علاقاته الخارجية بمنطق الدولة لا بمنطق الأزمة. فإعادة البناء والإعمار لا يمكن أن تتم بمعزل عن شراكات موثوقة تمتلك الخبرة والقدرة على التنفيذ. والسعودية، بما راكمته من تجارب في البنية التحتية، والتحول الاقتصادي، وإدارة الاستثمارات الكبرى، تمثل شريكًا مؤهلًا للمساهمة في نهضة سودانية جديدة، إذا ما أحسن السودان قراءة اللحظة وإدارة الفرصة.
غير أن نجاح أي شراكة استراتيجية يظل مرهونًا بقدرة الداخل السوداني على تهيئة البيئة القانونية والمؤسسية الجاذبة. فمراجعة قوانين الاستثمار، وضمان الشفافية، وحماية المصالح الوطنية، ليست شروطًا شكلية، بل أساسًا لبناء ثقة حقيقية مع رجال المال والأعمال، وتحويل الإمكانات الضخمة في مجالات الزراعة والتعدين والثروة الحيوانية إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
سياسيًا، تعكس هذه الخطوة رسالة واضحة مفادها أن السودان يتجه نحو استعادة موقعه الطبيعي في محيطه العربي، وأن الحرب، مهما طال أمدها، لن تكون قدرًا دائمًا. كما تحمل دلالة على فشل المشاريع التي راهنت على تفكيك الدولة السودانية وعزلها عن عمقها الاستراتيجي، إذ لا يمكن لدولة تمتلك هذا الرصيد من العلاقات أن تُترك فريسة للفوضى.
في المحصلة، ليست العلاقة مع المملكة العربية السعودية مجرد تعاون ثنائي، بل نموذج لما يمكن أن تكون عليه سياسة السودان الخارجية في مرحلة ما بعد الحرب: شراكات مدروسة، تقوم على المصالح المشتركة، وتحترم السيادة، وتستثمر في المستقبل. إنها صفحة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى