تحقيق لوكالة فرانس برس (AFP) يكشف كيف انتهى مرتزقة كولومبيون في الجانب الآخر من العالم، عبر شبكة من الربح والصمت تمتد من جبال الأنديز إلى دارفور.
*التلفزيون الفرنسي*:
————————–
كشف تحقيق لوكالة فرانس برس (AFP) كيف انتهى مرتزقة كولومبيون في الجانب الآخر من العالم، عبر شبكة من الربح والصمت تمتد من جبال الأنديز إلى دارفور.
ومن خلال مقابلات مع أفراد من عائلات المرتزقة ومع المرتزقة أنفسهم، وسجلات شركات، وتحليل مواقع تصوير مقاطع مصوّرة من ساحات القتال، تبيّن لـAFP كيف عزز هؤلاء صفوف قوات الدعم السريع شبه العسكرية (RSF)، المتهمة بارتكاب إبادة جماعية.
وفيما يلي أبرز ما توصّل إليه تحقيق الوكالة:
• جرى تجنيدهم في البداية عبر تطبيق واتساب، ثم نُقلوا إلى السودان عبر دولة الإمارات، حيث خضعوا لمهمات تدريبية قصيرة
• بعد ذلك دخلوا السودان عبر مسارين على الأقل: أحدهما عبر شرق ليبيا الخاضع لقوات موالية للإمارات، والآخر عبر قاعدة جوية في بوصاصو بالصومال تستضيف مسؤولين عسكريين إماراتيين
• تحديد المواقع الجغرافية لمقاطع صوّروها بأنفسهم يضعهم في قلب بعض أعنف المعارك في دارفور
• الشريك السابق لعقيد كولومبي متقاعد خاضع لعقوبات أميركية يقول إن المهمة كانت إدخال 2500 رجل إلى صفوف قوات الدعم السريع
ومنذ اندلاع الحرب في عام 2023، تمزق السودان بصراع بين قوات الدعم السريع والجيش، تغذّيه مصالح إقليمية متنافسة تشمل الإمارات ومصر والسعودية وإيران.
وقد ظهر مرتزقة أجانب في صفوف الطرفين، معظمهم من دول أفريقية مثل إريتريا وتشاد.
لكن أياً منهم لم ينفذ عملية بالقدر نفسه من التعقيد الذي نفذه الكولومبيون، الذين يُطلبون تحديداً لخبرتهم في حرب الطائرات المسيّرة والمدفعية.
وفي المقابل، كانوا يتقاضون رواتب تتراوح بين 2500 و4000 دولار شهرياً، بحسب جندي سابق، أي ما يصل إلى ستة أضعاف معاشهم التقاعدي العسكري.
وفي 9 ديسمبر/كانون الأول، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أربعة مواطنين كولومبيين وشركاتهم لدورهم في هذه الشبكة العابرة للحدود.
لكنها لم تسمِّ العقدة الإماراتية في العملية: شركة أمن خاصة تُدعى Global Security Services Group، مقرها أبوظبي، وتفاخر بقائمة عملاء تشمل عدداً من الوزارات الحكومية الإماراتية.
وقد نفت الإمارات مراراً دعمها لقوات الدعم السريع. ورداً على استفسارات AFP بشأن هذا التحقيق، قال مسؤول رفيع إن الإمارات تعتقد أن «هناك نمطاً من التضليل الإعلامي يحيط بهذه الحرب ولا يخدم أحداً».
تدريب الأطفال في دارفور
في كولومبيا، تعاني عائلات المرتزقة بصمت. وقالت إحدى الأرامل، التي كانت تخشى الكشف عن اسمها: «لم يعيدوا جثمانه بعد».
زوجها، البالغ 33 عاماً، وهو جندي سابق، توفي خلال ثلاثة أشهر من وصوله إلى السودان في منتصف عام 2024، حين كانت الحملة شبه العسكرية للسيطرة على غرب دارفور تتعثر. ولأشهر، كانت القوات تحاصر آخر معاقل الجيش في الفاشر.
ورغم أن قوات الدعم السريع يُعتقد أنها تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، فإن معظمهم مشاة منخفضو المهارة، يتقنون عمليات النهب والاغتصاب أكثر من العمليات بعيدة المدى والمتقدمة التي يجيدها الكولومبيون.
و«بدعم من مقاتلين كولومبيين»، بحسب الولايات المتحدة، تمكنت قوات الدعم السريع أخيراً من السيطرة على الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول، وسط أدلة على عمليات قتل جماعي وخطف واغتصاب.
وتُظهر مقاطع فيديو تحققت منها AFP وحددت مواقعها الجغرافية وجود كولومبيين داخل المدينة ومحيطها قبل السيطرة عليها.
في أحد المقاطع، يقودون سياراتهم قرب أنقاض مخيم زمزم المتفحمة وهم يستمعون إلى موسيقى الريغيتون. يقول رجل بلكنة كولومبية: «كل شيء مدمّر».
وكان المخيم قد اجتاحته القوات في أبريل/نيسان؛ حيث فرّ أكثر من 400 ألف شخص وقُتل ما يصل إلى 1000 آخرين، في ما قال ناجون إنه مذابح ذات طابع عرقي.
وتُظهر صور أخرى الرجل نفسه وهو يلتقط صوراً مع فتيان يحملون بنادق هجومية. وفي مقطع آخر، يعلّم رفاقه مقاتلاً كيفية إطلاق قاذف صواريخ.
وتقول ميليشيا متحالفة مع الجيش إن ما يصل إلى 80 كولومبياً شاركوا في الحصار منذ أغسطس/آب.
وتُظهر صور قدّمها المتحدث باسم القوات المشتركة أحمد حسين — الذي قُتل لاحقاً خلال هجوم لقوات الدعم السريع على الفاشر — جثة الرجل نفسه مضرجة بالدماء، وقد جرى التعرف عليه من ملامحه وتقويم أسنانه، وموسومة بأنه «قائد» الفصيلة.
وتقول السلطات المتحالفة مع الجيش السوداني إن ما لا يقل عن 43 شخصاً قُتلوا.
أما وزارة الخارجية الكولومبية فتقول إن عدداً غير محدد «خُدعوا» من قبل شبكات اتجار ودُفعوا للذهاب إلى السودان.
طُعم وخديعة
بعد عام على تقاعده، تلقى اختصاصي كولومبي في الطائرات المسيّرة العسكرية رسالة عبر واتساب.
وقال لـAFP، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، إن الرسالة جاء فيها: «هل هناك محاربون قدامى مهتمون بالعمل؟ نبحث عن احتياطيين من أي قوة. التفاصيل عبر رسالة خاصة».
وأُبلغ الرجل، البالغ 37 عاماً، من شخص عرّف نفسه بأنه عقيد سابق في سلاح الجو، بأن العمل في دبي. فوافق.
كل عام، يتقاعد آلاف الجنود الكولومبيين وهم في سن صغيرة نسبياً وبمعاشات منخفضة.
وقد وجد كثيرون منهم في السابق فرص عمل على كشوف رواتب أبوظبي، سواء في حراسة خطوط أنابيب النفط أو القتال في اليمن ضد الحوثيين.
لكن في اتصال لاحق، قيل للمحارب السابق إن دبي ستكون في الواقع مجرد محطة مؤقتة لبضعة أشهر من التدريب.
ثم سيتم نشره في «أفريقيا» لتنفيذ مهام استطلاع تكتيكي.
وبسبب الشكوك، تواصل مع صديق يعمل بالفعل في الإمارات، الذي حذره من أنه سينتهي على الأرجح في السودان. فرفض العرض.
غير أن كثيرين من مواطنيه قبلوا، وشرعوا في رحلات بدا أنها صُممت لتفادي الرصد.
لكن بعض المقاتلين كانوا أقل حذراً من غيرهم.
أحد المرتزقة، كريستيان لومبانا، وثّق رحلته إلى السودان عام 2024 عبر فرنسا وأبوظبي على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأظهر مقطع نشره على «تيك توك» أنه كان في صحراء جنوب شرق ليبيا، وفقاً لمجموعة التحقيقات «بيلينغكات».
ويخضع شرق ليبيا لسيطرة القائد العسكري خليفة حفتر، الذي صعد بدعم من الإمارات.
ومنذ بدء حرب السودان، شكّلت أراضيه ممراً حيوياً لقوات الدعم السريع، لتوفير السلاح والوقود والمقاتلين.
وبعد أيام من آخر منشور له على تيك توك، تعرّض رتل لومبانا لكمين في صحراء دارفور.
وانتشر مقطع صوّره مقاتل منافس على نطاق واسع، ويُظهر وثائق لومبانا وصور عائلته متناثرة على الرمال. وكان جواز سفره يحمل ختم دخول إلى ليبيا.
محطة الصومال
تشير وثائق وشهادات حصلت عليها AFP إلى أن العقيد الكولومبي المتقاعد ألفارو كويانو هو الشخصية التي تقف خلف عمليات التجنيد.
وتحدثت AFP إلى شريكه التجاري السابق، الرائد المتقاعد عمر رودريغيز، الذي قال إنه بعد بضع كمائن صحراوية العام الماضي، «أوقف» كويانو العملية مؤقتاً.
هذا العام، بدأ المرتزقة بالمرور عبر بوصاصو في الصومال، حيث قال مصدر محلي لـAFP إن قسماً من قاعدة عسكرية تُدار من قبل الإمارات استضاف فصائل من أجانب يرتدون الزي العسكري، نُقلوا على متن طائرات شحن.
وتقع بوصاصو في إقليم بونتلاند شبه المستقل، حيث قامت أبوظبي منذ عام 2010 بتدريب وتسليح وتمويل قوة شرطة بونتلاند البحرية، وفقاً لخبراء الأمم المتحدة ومحللي الأمن.
وقالت مصادر أمنية لـAFP إن مسؤولين عسكريين إماراتيين يتمركزون في منطقة معزولة من المطار.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني، ظهرت تقارير عن تسريب ضخم لبيانات نظام التأشيرة الإلكترونية الصومالي، كشف بيانات شخصية لما لا يقل عن 35 ألف شخص، يُزعم أن من بينهم كولومبيين عابرين إلى السودان.
وردّاً على هذه الادعاءات، قال مستشار الأمن القومي الصومالي عويس حاجي يوسف لـAFP: «علينا التحقيق، ونحن نفعل ذلك»، مشدداً في الوقت نفسه على الحاجة إلى أدلة قاطعة والحفاظ على علاقات جيدة مع الإمارات.
وقال مسؤول إماراتي رفيع لـAFP إن الإمارات «ترفض أي ادعاء بأنها زوّدت أو موّلت أو نقلت أو سهّلت إيصال أسلحة لأي من أطراف النزاع، عبر أي قناة أو ممر. هذه المزاعم كاذبة ولا أساس لها، وتتعارض مع الأدلة المتاحة».
وأضاف المسؤول: «الإمارات ملتزمة بتحقيق وقف لإطلاق النار في السودان».
وتشير روايات من الصومال إلى أن البلاد كانت تُستخدم كمحطة عبور.
وقال وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي أمام البرلمان إن طائرات كانت تحلّق من بوصاصو «إلى تشاد والنيجر، وصولاً إلى غرب السودان».
وقال شخص محلي يتردد على المطار بحكم عمله لـAFP إنه بين مارس/آذار ويوليو/تموز رأى مجموعات من رجال أجانب ذوي بشرة فاتحة «في منتصف الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، ببنية عسكرية»، مصطفّين ويتم نقلهم على متن طائرات شحن.
وأضاف أنهم كانوا غالباً يُقتادون إلى القسم من المطار الذي يضم المسؤولين الإماراتيين.
وقال علي جامع، وهو من سكان بوصاصو، إنه شاهد أجانب يرتدون عتاداً تكتيكياً يُنقلون على متن طائرة شحن في أبريل/نيسان.
وتُظهر صور أقمار صناعية للمطار حصلت عليها AFP بشكل متكرر وجود عدة طائرات شحن من طراز «إليوشن IL-76D»، مطابقة لتلك التي حدّدتها AFP في قواعد جوية في الإمارات وليبيا. كما تُظهر بيانات تتبع الرحلات التي حللتها AFP نشاطاً مكثفاً للطراز نفسه في المطار.
وقد ارتبط هذا الطراز نفسه بخطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر تشاد.
الأثر الورقي
في الأسبوع الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كويانو وزوجته كلوديا أوليفيروس باعتبارهما عقدتين رئيسيتين في «شبكة عابرة للحدود لتجنيد كولومبيين» للقتال في السودان.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية: «منذ سبتمبر/أيلول 2024، سافر مئات من عناصر الجيش الكولومبي السابقين إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع»، مضيفة أن بعضهم درّب مجنّدين أطفالاً.
وتحدثت AFP إلى مرتزقين سابقين قالا إن وكالة كويانو للخدمات الدولية، المعروفة أيضاً باسم A4SI، أرسلت المجندين أولاً إلى الإمارات، ثم إلى شرق ليبيا، ثم إلى داخل السودان.
وكان شريكه التجاري السابق الرائد رودريغيز قد أسس شركة A4SI — ظاهرياً كشركة توظيف — في عام 2017. وقد دخل في شراكة مع كويانو، الذي يقول رودريغيز إنه كان يمتلك علاقات أفضل في الإمارات.
وفي عام 2022، وبعد أن غرق في الديون، باع رودريغيز حصته لأوليفيروس، التي لا تزال المالكة للشركة بحسب السجلات القانونية.
وقال رودريغيز لـAFP إن حديثه يأتي في محاولة «لتبرئة اسمه»، متهماً كويانو بمحاولة «إدخال 2500 رجل» إلى السودان.
وحصلت AFP على 26 وثيقة موقّعة من كولومبيين في شرق ليبيا، تُفوض شركة إماراتية مقرها الإمارات، هي Global Security Services Group (GSSG)، بدفع رواتبهم.
وأظهر أحد العقود التي اطّلعت عليها AFP، ويتضمن بند سرية، توظيف كولومبي بصفة «حارس أمن». وكانت الرواتب تُحوّل عبر شركة مسجّلة في بنما.
وتُظهر السجلات التجارية الإماراتية المؤرخة لعام 2018 أن شركة GSSG مملوكة لرجل الأعمال محمد حمدان الزعابي. ويصف موقعها الإلكتروني الشركة بأنها «المزوّد الوحيد لخدمات الأمن الخاص المسلح لحكومة دولة الإمارات».
وقد أزالت GSSG مؤخراً قسماً من موقعها كان يدرج ثلاثة من عملائها: وزارة الداخلية الإماراتية، ووزارة الخارجية، ووزارة شؤون الرئاسة.
ولم ترد أي من الشركات المذكورة على طلبات AFP للتعليق.
ورداً على أسئلة هذا التحقيق، قال مسؤول إماراتي لـAFP: «نرفض بشكل قاطع أي ادعاءات بتقديم أي شكل من أشكال الدعم لأي من طرفي النزاع منذ اندلاع الحرب الأهلية، وندين الفظائع التي ارتكبها الطرفان المتحاربان».
وقد دأبت الإمارات طويلاً على نفي اتهامات بدعم قوات الدعم السريع.
لكن تقارير لخبراء الأمم المتحدة، ومشرعين أميركيين، ومنظمات دولية تقول إن الدولة الخليجية دعمت هذه القوات شبه العسكرية، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على دارفور.
وبحسب دبلوماسيين ومحللين، تهتم الإمارات برواسب الذهب في السودان، وأراضيه الزراعية الخصبة، وساحله الطويل على البحر الأحمر، وموقعه الاستراتيجي بين القرن الأفريقي ومنطقة الساحل.
وقد أقرّ مشرعون كولومبيون مؤخراً قانوناً يحظر تجنيد المرتزقة، عقب موجة غضب من ظهور مواطنين كولومبيين على مرّ السنوات في نزاعات من أفغانستان إلى أوكرانيا.
لكن القانون جاء متأخراً بالنسبة لمقاتل كولومبي آخر، قُتل في المعارك بالسودان العام الماضي عن عمر 25 عاماً.
وقالت امرأة عرّفت نفسها بأنها ابنة عمّه لـAFP: «لقد وصلت رماده إلى كولومبيا».



