إشراقات الجمعة انتصار جعفر الأمومة بين الحب والوعي.. متى يصبح الاهتمام عبئاً؟

إشراقات الجمعة
انتصار جعفر
الأمومة بين الحب والوعي.. متى يصبح الاهتمام عبئاً؟
تسعى كل أم بما تملك من حب وإمكانات إلى أن ترى أسرتها سعيدة وناجحة وأبناءها في أفضل حال. ومن أجل هذه الغاية تهتم بأدق تفاصيل حياتهم وتحرص على حمايتهم وتوجيههم وتبذل كل ما في وسعها لتوفير أسباب الراحة والاستقرار لهم.
غير أن أساليب الأمهات في التعبير عن الحب والاهتمام تختلف من واحدة إلى أخرى، وفقا لثقافتها ووعيها وتكوينها النفسي والشخصي والبيئة التي نشأت فيها، وما اكتسبته من تجارب وخبرات في حياتها.
ورغم اختلاف الأساليب يظل الحب والخوف على الأبناء والرغبة في إسعادهم قاسما مشتركا بين كثير من الأمهات لكن هذا الحب قد يتخذ صورا متعددة بعضها يمنح الأبناء القوة والثقة والاستقلالية وبعضها الآخر من دون قصد قد يتحول إلى قيد يحد من قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم ومواجهة الحياة.
فنجد الأم التي لا تكف عن مراقبة أبنائها وتحرص على متابعة كل صغيرة وكبيرة في حياتهم ولا تتردد في تقديم النصح والإرشاد في كل مناسبة، اعتقاد منها أن كثرة التوجيه هي الطريق الأمثل لحمايتهم من الأخطاء.
وفي المقابل نجد أماً تمنح أبناءها مساحة واسعة من الحرية، وتثق في قدرتهم على الاختيار وتترك لهم فرصة خوض التجارب والتعلم من نتائج قراراتهم حتى وإن كانت هذه التجارب لا تخلو من العثرات.
وهناك أم تتسم بالصرامة الشديدة فتبدو حازمة في تعاملها مع أبنائها وتضع لهم حدوداً واضحة لا تسمح بتجاوزها انطلاقا من خوفها عليهم وحرصها على مستقبلهم. وقد لا تنجح دائما في التعبير عن مشاعرها بالكلمات أو مظاهر الحنان لكنها تحمل في داخلها حباً كبيرا لا تجيد إظهاره إلا من خلال الحماية والتوجيه والانضباط.
كما نجد الأم القلقة التي يظل الخوف رفيقها الدائم فتقلق على أبنائها من أبسط الأمور وتبالغ في توقع المخاطر حتى عندما تكون الظروف عادية ولا تستدعي كل هذا القلق. وقد ينتقل هذا الشعور إلى الأبناء، فينشأ بعضهم مترددا في اتخاذ القرارات أو خائفا من التجربة أو عاجزا عن خوض الحياة بثقة واطمئنان.
وفي المقابل نجد الأم العاطفية التي تحيط أبناءها بفيض من الحب والحنان والدلال فتسعى إلى تلبية جميع احتياجاتهم وتقوم عنهم بكثير من المهام التي يستطيعون إنجازها بأنفسهم وتحرص على إبعادهم عن كل ما قد يسبب لهم التعب أو المشقة. ومع أن هذا السلوك ينطلق من مشاعر صادقة ونبيلة فإن المبالغة فيه قد تحرم الأبناء من فرصة اكتساب مهارات الحياة وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
فالأبناء لا يحتاجون إلى من يمهد لهم الطريق في كل خطوة فحسب بل يحتاجون أيضاً إلى من يعلمهم كيف يسيرون بأنفسهم وكيف يواجهون الصعوبات ويتحملون نتائج اختياراتهم ويستفيدون من أخطائهم.
ومن الصور التي تستحق الوقوف عندها الأم التي تجد صعوبة في تقبل استقلال أبنائها حتى بعد الزواج فتظل تتدخل في تفاصيل حياتهم الخاصة وتتابع شؤونهم الصغيرة والكبيرة وربما تتجاوز حدود النصيحة إلى فرض الرأي واتخاذ القرارات نيابة عنهم.
وقد يمتد هذا التدخل إلى حياة الابنة مع زوجها أو حياة الابن مع زوجته فتتحول الرغبة في المساعدة إلى مصدر للتوتر والخلاف ويشعر الطرف الآخر بأن خصوصية أسرته لم تعد مصونة وأن قراراته لا تُحترم كما ينبغي.
وهنا ينبغي أن تدرك الأم أن زواج أبنائها لا يعني انتهاء دورها أو تراجع مكانتها فالنصيحة مطلوبة والمساندة محل تقدير لكن التدخل المستمر قد يفسد ما أرادت الأم إصلاحه ويخلق مسافات من الجفاء لم تكن تتمناها.
إن الأم الواعية هي التي تعرف متى تتدخل ومتى تكتفي بالمراقبة من بعيد ومتى تقدم النصيحة ومتى تترك لأبنائها فرصة الاختيار والتجربة. وهي التي تدرك أن التربية ليست مجرد حماية من الأخطاء بل إعداد للإنسان حتى يصبح قادرا على مواجهة الحياة وأن الثقة بالأبناء لا تتعارض مع توجيههم، كما أن منحهم الحرية لا يعني التخلي عن مسؤولية تربيتهم.
ومن المهم أن نتذكر أن اختلاف الأمهات في أساليب التربية لا يعني بالضرورة أن إحداهن تحب أبناءها أكثر من الأخرى أو أن كل أم تتبع أسلوبا معينا تفعل ذلك عن قصد أو سوء نية.
فالأمومة ليست حبا فحسب، بل هي أيضا وعي وحكمة ومرونة، وقدرة على الموازنة بين الحنان والحزم وبين الحماية ومنح الحرية وبين تقديم العون واحترام الاستقلالية. وكلما نضجت هذه الموازنة أصبحت العلاقة بين الأم وأبنائها أكثر استقراراً، وقامت على المحبة المتبادلة والثقة والاحترام..
إشراقة أخيرة.
الأمومة الواعية.
ليس هناك أم كاملة الأوصاف فالكمال لله وحده ولكل إنسان جوانب قوة وأخرى تحتاج إلى مراجعة وتقويم. لكن الأم الحكيمة هي التي تسعى إلى تطوير نفسها وتتعلم من تجارب الحياة وتدرك أن أبناءها ليسوا امتدادا لقراراتها بل أشخاص لهم شخصياتهم واختياراتهم ومسؤولياتهم.
فالأمومة الناجحة ليست في أن تظل الأم تدير حياة أبنائها في كل مراحلها وإنما في أن تربيهم على القيم، وتمنحهم الثقة وتغرس فيهم القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية ثم تظل لهم سندا وملاذا آمنا كلما احتاجوا إليها.
كوني لأبنائك مصدر أمان لا مصدر قلق ونافذة يطلون منها على الحياة بثقة، لا جدارا يحول بينهم وبين تجاربها.
فالأم التي تنجح في إعداد أبنائها للحياة لا تخسر مكانتها في قلوبهم بل تزداد قربا منهم وتظل حاضرة في حياتهم بالمحبة والاحترام لا بالسيطرة والتدخل..
نصر من الله وفتح قريب.



