إشراقات انتصار جعفر حين تصبح الذاكرة قضية وطن.. «الكلكة» تكتب تاريخ التعايش في دارفور..

إشراقات
انتصار جعفر
حين تصبح الذاكرة قضية وطن.. «الكلكة» تكتب تاريخ التعايش في دارفور..
في اللحظات الفارقة من عمر الشعوب لا تكون المعركة دائماً على الأرض وحدها ولا يكون الخطر دائماً في ما تهدمه الحرب من مبانٍ ومؤسسات فهناك ما هو أخطر من ذلك كله أن تضيع ذاكرة الوطن وأن تُطمس ملامح تاريخه وأن تنقطع الصلة بين الأجيال وماضيها.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب الدكتور النور جابر محمد جابر «ملاح التاريخ الاجتماعي الثقافي السياسي في برام – الكلكة 1900–1980م»
والذي يوثق لتاريخ «الكلكة» في برام بولاية جنوب دارفور.
فالكتاب الذي تم تدشينه بحضور والي ولاية جنوب دارفور ليس باعتباره مجرد إصدار جديد يضاف إلى رفوف المكتبات وإنما باعتباره مشروعاً لحماية الذاكرة الوطنية وتحصين الهوية السودانية من النسيان.
يمكن القول إن الكتاب يفتح نافذة واسعة على ثمانين عاماً من تاريخ منطقة في جنوب دارفور ويقدم نموذجاً لما يمكن أن تفعله الكلمة حين تتحول من مجرد سرد للحكايات إلى وثيقة تحفظ للأجيال ملامح وطنها.
ففي القرى والأرياف وبين كبار السن وفي المجالس والمناسبات، ظلت حكايات كثيرة تنتقل من جيل إلى جيل تحمل في داخلها تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي قد لا نجدها في الوثائق الرسمية.
وهذا ما فعله مؤلف «الكلكة»،فقد بحث عن التاريخ حيث كان حاضراً في ذاكرة أهله، واستمع إلى كبار السن واستعاد معهم أسماء الرجال والنساء والعادات والتقاليد والأمثال وطبيعة الحياة وعلاقات الناس بالأرض والزراعة والماشية وكل التفاصيل التي صنعت شخصية المكان.
يعتبر الكتاب محاولة لتحويل الذاكرة الشفاهية إلى ذاكرة مكتوبة قبل أن يرحل شهودها وتغيب معهم صفحات لا يمكن تعويضها.
وفي ظل ما تعرضت له دارفور من صراعات وحروب وتوترات خلال العقود الماضية، تكتسب مثل هذه الأعمال أهمية استثنائية.
فدارفور ليست عنواناً للحرب فقط كما قد تحاول بعض الصور الإعلامية اختزالها وإنما هي أيضاً تاريخ طويل من المجتمعات المتداخلة والتجارة والزراعة والرعي والمصاهرات والعلاقات الأهلية والتنوع الثقافي والاجتماعي.
ولهذا فإن الحديث عن «الكلكة» باعتبارها «أرض السلام» يفتح باباً مهماً لإعادة قراءة تاريخ المنطقة بعيداً عن الصورة الأحادية التي كرستها سنوات الصراع.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب فهو يتحدث عن مكان محدد لكنه يحمل رسالة تتجاوز حدود المكان.
نحن بحاجة إلى أن نوثق ما تبقى من ذاكرتنا وأن نجمع الروايات، ونحفظ الصور ونصون الوثائق ونسجل شهادات كبار السن ونكتب تاريخ المدن والقري والأحياء والمؤسسات والشخصيات.
وإذا كانت الحرب قد حاولت أن تفرق الناس فإن الثقافة قادرة على أن تعيد جمعهم حول ما يجمعهم من تاريخ وقيم وموروث مشترك.
فكم من «كلكة» أخرى في السودان تنتظر من يكتب تاريخها؟ وكم من رجل وامرأة يحملان في ذاكرتهما أحداثاً وشهادات وحكايات إذا لم تُسجل اليوم ربما لن تجد طريقها إلى الغد.
إشراقة أخيرة
معركة استعادة الذاكرة والهوية
إن معركة السودان اليوم ليست فقط معركة استعادة الأرض وإنما هي أيضاً معركة استعادة الإنسان والذاكرة والهوية.
وحين نكتب عن «الكلكة» فإننا لا نكتب عن الماضي وحده بل نبحث في الماضي عن مفاتيح المستقبل.
نبحث عن السودان الذي عرف كيف يعيش أبناؤه معاً وكيف صنعت المصالح المشتركة والمصاهرات والجيرة والتعاون مجتمعاً قادراً على تجاوز الاختلاف.
ومن هنا فإن كتاب «الكلكة» يستحق أن يُقرأ باعتباره أكثر من تاريخ لمنطقة، إنه دعوة لاستعادة ثقافة التعايش ورسالة بأن ذاكرة السودان أقوى من النسيان وأن تاريخ هذا الوطن لن يُكتب إلا بأقلام أبنائه.
فمن يحفظ ذاكرته يحفظ هويته.. ومن يحفظ هويته يستطيع أن يصنع مستقبله.
ولأن السودان وطن يستحق أن يُروى تاريخه بكل تفاصيله، فلنكتب.. قبل أن ترحل الذاكرة.
نصر من الله وفتح قريب.



