آية الله الأعرافي رداً علی بيان الأزهر: كيف ترون الجمهورية الإسلامية معتدية وهي تدافع عن نفسها؟.. وأين العدل في تجاهل جرائم أمريكا وإسرائيل؟*

*آية الله الأعرافي رداً علی بيان الأزهر: كيف ترون الجمهورية الإسلامية معتدية وهي تدافع عن نفسها؟.. وأين العدل في تجاهل جرائم أمريكا وإسرائيل؟*
وكالة أنباء الحوزة – رداً على بيان مشيخة الأزهر الشريف حول الأحداث الجارية في المنطقة، أصدر آية الله عليرضا الأعرافي مدير الحوزات العلمية في إيران بياناً باللغة العربية موجهاً إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، أكد فيه على ضرورة قراءة الصراع الراهن في سياقه الحضاري والتاريخي، مشدداً على أن الجمهورية الإسلامية لم تكن البادئة بالحرب، بل تعرضت لاعتداءات متكررة دفعتها إلى الدفاع المشروع عن سيادتها وكرامة شعبها. وفيما يلي نص البيان:
بسم الله الرحمن الرحيم
{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]
فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، حفظه الله ورعاه،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
فإننا نتوجه إليكم بهذه الكلمة انطلاقاً من المسؤولية الشرعية والأخلاقية التي توجب علينا جميعاً النصح لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ومن موقع المحبة والتقدير لهذه المؤسسة العريقة التي ظلت عبر القرون منارة للعلم الوسطي والمنهج الأزهري الذي جمع الأمة على كلمة سواء.
نثمن ونشيد بمواقفكم الرشيدة والواعية إزاء القضايا المصيرية للأمة، وندرك جيداً ما بذلتموه ويبذلونه من جهود مباركة في نصرة قضية فلسطين، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم، والدعوة إلى وحدة الصف الإسلامي وتقريب المذاهب، وتأصيل قيم الأخوة الإسلامية التي لا تقوم للأمة قائمة بدونها. هذه المواقف المشرفة التي عهدناها فيكم تجعلنا نتوقف طويلاً أمام البيان الأخير الصادر عن الأزهر بشأن الأحداث الجارية في المنطقة، وندعوكم دعوة صادقة إلى إعادة النظر فيه في ضوء حقائق كبرى لا يمكن تجاوزها في أي حكم شرعي أو سياسي أو أخلاقي.
أولاً: لا يمكن فهم المعركة الدائرة اليوم فهماً صحيحاً بمعزل عن سياقها التاريخي والحضاري. إن ما تشهده المنطقة هو حلقة من صراع حضاري ممتد مع مشروع استعماري غربي – أمريكي يسعى منذ زمن بعيد إلى إعادة رسم خريطة المنطقة وفق مصالحه، وتفتيت مقدرات الأمة، وإذكاء الصراعات الصغرى التي تشغلنا عن بؤرة الصراع الحقيقية: مشروع الهيمنة على الثروات والمقدسات، وحماية الكيان الصهيوني باعتباره رأس حربة هذا المشروع في قلب العالم الإسلامي.
ثانياً: نرى أن قضية فلسطين كانت ولاتزال هي القضية المركزية لهذه الأمة. إن معاناة الشعب الفلسطيني على مدى ثمانية عقود من الاحتلال والبطش والتهجير والاستيطان وتهويد المقدسات، هي الجرح النازف الذي يدمي ضمير الأمة، وأي قراءة للأحداث تهمش هذه الحقيقة تغفل عن علة العلل وتنشغل بالمعلولات.
ثالثاً: نؤكد لفضيلتكم وللأمة جمعاء الاعتقاد الراسخ للجمهورية الإسلامية في إيران بوحدة الأمة وأخوتها والتضامن العميق بين أطرافها. هذه الرؤية ليست شعاراً، بل هي أساس السياسات والبرامج العملية التي انتهجناها على مدى عقود ولانزال أوفياء لها. إن مشروعنا هو مشروع تقارب وتكامل، لا مشروع صراع وفرقة، ونسأل الله أن يقيض لهذه الأمة عظماء يوحدون كلمتها ويجمعون شملها.
رابعاً: لا يشهد التاريخ القريب ولا البعيد في حركة الجمهورية الإسلامية في إيران أنها كانت وراء أي حرب أو اشتباك بين المسلمين. لقد التزمنا دوماً بحسن الجوار وعدم الاعتداء، وفي هذه المرة تعرضنا لعدوان سافر وظلم بيِّن. كما أن العالم قد شهد أن الجمهورية الإسلامية لم تكن البادئة بهذه الحرب الشاملة، بل هي التي فُرضت عليها، وهي منخرطة في مفاوضات حرصاً منها على الطرق السلمية في معالجة الأزمات العالقة، وما تفعله الآن يمثل دفاعاً عن سيادتها وكرامة شعبها، بعد أن تعرضت لاعتداءات متكررة على سيادتها ومصالحها. ومن المؤسف أن نرى تجاهل العديد من الدول الإسلامية لهذه الحقيقة الواضحة، وتقاعسها الأخلاقي والإنساني والشرعي عن إدانة هذا الظلم الفاضح.
خامساً: العقود المنصرمة خير شاهد على أن نظرة الجمهورية الإسلامية في إيران إلى شعوب المنطقة ودولها كانت نظرة مودّة وأخوة وصداقة في أصعب الظروف. لقد مددنا أيدينا بالخير والتعاون للجميع، وفي المقابل، كانت بعض الدول تستضيف على أرضها أخطر القواعد الأمامية التي تُستخدم في المخططات الجهنمية الأمنية والعسكرية والاستخبارية ضد شعبنا وأمننا، بتحريض من إسرائيل وأمريكا. ورغم ذلك، ظل بابنا مفتوحاً للحوار والتعاون، وظل شعبنا وفيّاً لمبادئه الإسلامية والإنسانية.
سادساً: لقد تم تجاهل الجرائم البشعة التي ارتُكبت بحق الشعب الإيراني المسلم الجار، ومنها التدمير الممنهج للبنية التحتية، واستهداف آلاف المواقع المدنية، وقتل العلماء والقادة الأساسيين، وفي مقدمتهم جريمة اغتيال الإمام الخامنئي، الذي كان يمثل مرجعية فاعلة في الأمة والثقل الأكبر في دعوات الوحدة والتضامن. والمؤسف حقاً، وهو خير شاهد على الخروج عن أبسط قواعد العدل والإنصاف، هو التجاهل التام لحقيقة أن قوى الاحتلال والاستكبار الأمريكي والإسرائيلي هي التي بدأت هذا العدوان بالتدمير المروع والشامل. لقد قامت هذه القوى بتخريب وتدمير عشرات الآلاف من البيوت الآمنة للمواطنين الإيرانيين، وقتل وجرح الآلاف من الأطفال والنساء والرجال المدنيين العُزّل.
إن تجاهل كل هذه الجرائم البشعة بحق شعب مسلم وجار، والاقتصار في البيان على شجب الرد الدفاعي الإيراني المشروع الذي استهدف مصادر النيران المعادية من قواعد العدو في بعض الدول التي لم ترعَ أي قاعدة أخلاقية للجوار، ولم تحترم حقوق الشعب الإيراني المسلم والدولة الشقيقة المجاورة، إن هذا التجاهل هو عين المجافاة للعدل والموازين الشرعية.
والواجب الشرعي يفرض على الأمة أن تقف عند هذه الأحداث الجسيمة وقفة تأمل ومساءلة قبل أن تطلق الأحكام المجردة.
إن بيان الأزهر، مع تقديرنا للحرص على وقف الحرب وحقن الدماء، قد انشغل بالمعلولات ونتائج الصراع، متجاهلاً العلل الأصلية لهذه المأساة. لقد تحدث عن فعل ردّي محدود، وسكت عن أصل العدوان، وتجاهل آلاف الضحايا من المدنيين الأبرياء الذين قضوا تحت القصف والتدمير. إن الشرع الحنيف الذي يحكم بالقسط، يوجب علينا جميعاً أن نكون مع المظلوم أياً كان، وأن ننصفه قبل أن نصف ردود أفعاله.
نداء أخير: إن ما تمر به الأمة من محن تتطلب منا جميعاً وقفة حكيمة وبصيرة نافذة. ومن هنا فإننا نتوجه إلى فضيلتكم باقتراح استئناف التواصل العميق والشامل بين علماء الأمة عموماً، وعلماء قم والأزهر خصوصاً. فالحوار العلمي الرصين والتباحث الفكري الهادئ هو السبيل لوضع تصورات مشتركة وآليات عملية تساعد أمتنا على الخروج من هذه الدوامة المأساوية إلى حالة الرقي والتقدم والرشد الشامل، وتجنيب المنطقة ويلات الحروب التي لا تبقي ولا تذر.
نسأل الله تعالى أن يحفظ الأزهر منارة للعلم والعدل، وأن يلهم الجميع رشدهم، وأن يوحد كلمة الأمة على الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عليرضا الأعرافي
مدير الحوزات العلمية في إيران
يُذكر أن مشيخة الأزهر أصدرت يوم الثلاثاء 17 مارس 2026 بياناً أدانت فيه الرد العسكري الإيراني على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، داعية إيران إلى الوقف الفوري لما وصفته “اعتداءاتها غير المبررة على دول عربية وإسلامية”، محذرة من تداعياتها الخطيرة على أمن المنطقة وأرواح المدنيين.
المصدر: وكالة أنباء الحوزة

