مقالات الرأي

إشراقات الجمعة انتصار جعفر.  بين موائد الإفطار وبشائر النصر ..رمضان يكتب قصة السودان. 

إشراقات الجمعة

انتصار جعفر.

 

بين موائد الإفطار وبشائر النصر ..رمضان يكتب قصة السودان.


يمضي شهر رمضان الكريم سريعًا كعادته وكأنه زائر عزيز يمرّ بخفةٍ وحنان يملأ أيامنا بالرحمة والبركة ويترك في الأرواح عبق الطمأنينة والإيمان. أيام قليلة ونودّع هذا الشهر الفضيل الذي تتجلى فيه أجمل معاني التراحم والتكافل وتسمو فيه الروحانيات وتتعانق القلوب قبل الأيادي.

لرمضان في السودان طعمٌ خاص ومذاق مختلف فالمجتمع السوداني عُرف منذ القدم بروح العمل الجماعي والتكاتف الاجتماعي. من النفير إلى اللِّمّات في الأفراح والأتراح يظل التضامن سمة أصيلة في حياة السودانيين. وتزداد هذه الروح توهجا في الشهر الكريم حيث تتزين الأحياء بموائد الإفطار الجماعية التي تمتد على الطرقات يجتمع حولها الجيران وعابري السبيل في مشهد يفيض بالمحبة والألفة.

ومن مشاهد رمضان السوداني التي لا تخطئها العين صوت المآذن وهي تعانق السماء قبيل المغرب وصغار الحي يهرعون حاملين أطباق الإفطار إلى بيوت الجيران بينما تمتلئ الساحات برواد المساجد في صلاة التراويح. وفي الأسواق تعبق رائحة الآبري والحلو مر وتزدحم البيوت بتحضير أطباق المائدة الرمضانية التي تحكي عن كرمٍ متجذر في الوجدان السوداني.

ورغم سنوات الحرب العجاف التي هزّت كيان المجتمع وأثقلت كاهله، ظل السودانيون قادرين على تجاوز المحن بإيمانهم العميق وتماسكهم الاجتماعي. لقد أثبتت هذه الأزمة أن جذور التدين والقيم الأخلاقية في هذا الشعب عميقة ومتينة فكان رمضان فرصة متجددة لاستعادة التوازن النفسي والاجتماعي وتعزيز روح الصبر والأمل.

وفي ميدان المعركة جاءت بشائر عديدة تزامنت مع نفحات الشهر الكريم حيث حققت القوات المسلحة والقوات المشتركة وكتائب الإسناد تقدما ملحوظا باستعادة عدد من المدن المهمة مثل الدلنج وكادوقلي وبارا الأمر الذي عزز من التفاف الشعب حول جيشه. ويتكرر المشهد المؤثر كلما دخل الجيش منطقة محررة مواطنون يستقبلونه بالزغاريد والدموع والفرح إحساسا بالأمان والانتماء فالعلاقة بين الشعب وجيشه علاقة دمٍ ومصير ولا تكاد تخلو أسرة سودانية من فردٍ يرتدي هذا الزي الذي يرمز للفداء.

وفي جانبٍ آخر تتسارع خطوات إعادة الحياة إلى طبيعتها، خاصة في الخرطوم حيث بدأت ملامح الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة لعملها تظهر تدريجيا. إنها خطوات إصلاحية تعكس إرادة واضحة لإزالة آثار الحرب وبناء مرحلة جديدة قوامها العمل والتنمية المستدامة حتى يعود السودان أقوى وأكثر تماسكا.

إشراقة أخيرة

من مدرسة رمضان.. يبدأ طريق الاستقرار

يبقى رمضان مدرسةً عظيمة في تهذيب النفس وإصلاح السلوك. وما أجمل أن تتحول القيم التي نتعلمها في هذا الشهر من صدقٍ وتسامحٍ وتكافل إلى نهج دائم في بقية شهور العام. فالسودان يمتلك من المقومات البشرية والاقتصادية ما يؤهله للنهوض من جديد إذا ما صدقت النوايا وتوحدت الإرادة ووُضع الوطن فوق كل اعتبار.

لقد أثبتت الأيام أن روح الوطنية في السودان قادرة على بلوغ أعلى درجاتها كما رأينا في الاستنفار الشعبي والمقاومة المجتمعية دفاعا عن الأرض والعِرض. وما نحتاجه اليوم هو ترتيب البيت من الداخل حتى يستقيم العود ويستقيم معه الظل فنمضي نحو غدٍ أكثر استقرارا وامنا وكرامة.

نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى