مقالات الرأي
أخر الأخبار

لم تكن “الإزالة” في شوارع بورتسودان مجرد عملية تنظيم، بل كانت عند كثيرين لحظة اقتلاعٍ للرزق قبل اقتلاع الخشب والصفيح بقلم.. حياة حمد اليونسابي

لم تكن “الإزالة” في شوارع بورتسودان مجرد عملية تنظيم، بل كانت عند كثيرين لحظة اقتلاعٍ للرزق قبل اقتلاع الخشب والصفيح.

دكاكين مؤقتة، نعم… لكنها لم تكن مؤقتة في حياة أصحابها، بل كانت ثابتة في معادلة العيش اليومي:

صباحٌ يبدأ بفتح الباب الصغير، ومساءٌ يُغلق على أمل الغد.

 

بورتسودان/ حياة حمد اليونسابي

 

حين جاءت آليات المحلية، جاء معها القانون، لكن غاب معها السؤال الإنساني:

إلى أين يذهب هؤلاء بعد الإزالة؟

وأي بديل ينتظر من كان رزقه مربوطًا بمترٍ مربعٍ من الظل؟

 

الإزالات، من حيث المبدأ، حقٌ للإدارة في تنظيم المدن ومنع العشوائية، لكن التنظيم لا يكتمل بالهدم وحده، بل بالحلول.

فالمدينة لا تُجمَّل على حساب بطون الجائعين، ولا تُرتَّب شوارعها ببعثرة جيوب فقرائها.

 

أصحاب الدكاكين المؤقتة ليسوا خارجين على النظام، بل خارجين على الفرص.

لم يختاروا الرصيف عشقًا فيه، بل اضطرارًا إليه.

وحين يُزال الرصيف من تحت أقدامهم، يجب أن تُمد لهم أرضٌ بديلة، لا ورقة إنذار فقط.

 

الحلول ليست مستحيلة، إنما تحتاج إلى إرادة:

– تخصيص مواقع بديلة منظمة بأسعار رمزية.

– إنشاء أسواق شعبية مؤقتة تراعي ظروفهم الاقتصادية.

– منح تراخيص مرحلية بدل المطاردة اليومية.

– إشراكهم في التخطيط بدل مفاجأتهم بالجرافات.

– فتح باب التمويل الصغير لإعادة التمركز بدل الانكسار.

 

إن العدالة في المدن لا تُقاس باتساع الطرق، بل بضيق الفجوة بين القرار والمواطن.

والإزالة التي لا تصحبها بدائل، تتحول من إجراء إداري إلى عقوبة اجتماعية.

 

بورتسودان، وهي تعيد ترتيب وجهها، مطالبة أن تنظر أيضًا إلى قلبها.

فالمدينة التي تطرد الفقراء من أرصفتها، قد تنظف الشوارع… لكنها توسخ الضمير العام.

 

لسنا ضد النظام، بل ضد أن يكون النظام بلا إنسان.

ولسنا ضد التنظيم، بل ضد أن يكون التنظيم بلا بديل.

فإما أن تُزال العشوائية مع معالجة أسبابها،

أو ستعود العشوائية من الباب الخلفي… بأسماء جديدة ووجوه أكثر تعبًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى