عودة قناة البحر الأحمر إلى البث ليست خبراً عابراً في شريط الأخبار، بل حدثٌ له ما بعده وما قبله بقلم حياة حمد اليونسابي
عودة قناة البحر الأحمر إلى البث ليست خبراً عابراً في شريط الأخبار، بل حدثٌ له ما بعده وما قبله.
بورتسودان/ حياة حمد اليونسابي
هي عودة شاشة غابت قسراً، لا اختياراً، منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل، حين اضطرت لأن تكون “مُستضيفة” للتلفزيون القومي ثلاث سنوات كاملة، تعثرت في اداء رسالتها ، و كُتم صوتها الذي يحكي هموم أهلها .
اليوم، وهي تعود إلى بثها الخاص، كأنها تستعيد اسمها الأول، ولهجتها الأولى، ومكانها الطبيعي بين الناس.
تعود وهي تحمل في أرشيفها صور النزوح، وأخبار الانقطاع، وصوت المدن التي تعبت من الانتظار.
تعود كأنها تقول: الإعلام المحلي لم يُهزم، بل تأجل… والغياب لم يكن صمتاً، بل كان صبراً مؤقتاً.
لكن هذه العودة ليست مفروشة بالورود، بل محاطة بأسئلة ثقيلة:
كيف تعود القناة إلى جمهور أنهكته الحرب؟
وكيف تبث في واقع ما زالت فيه الحياة نفسها تبث بصعوبة؟
التحديات التي تواجه قناة البحر الأحمر اليوم ليست تقنية فقط، بل وجودية أيضاً:
أولها التحدي المالي:
قناة خرجت من حرب طويلة بموارد محدودة، ومعدات استهلكها الزمن، وإنتاج يحتاج إلى دعم لا إلى شعارات. فالرسالة الإعلامية لا تعيش على النوايا الطيبة وحدها، بل على ميزانية قادرة أن تُبقي الكاميرا مضاءة والميكروفون مفتوحاً.
وثانيها التحدي البشري:
كثير من الكوادر تفرقت بين هجرة وانتظار، ومن بقي يعمل وهو مثقل بالقلق الشخصي قبل الهم المهني. إعادة بناء الفريق ليست مسألة جداول دوام، بل مسألة إعادة ثقة في جدوى الاستمرار.
وثالثها التحدي التقني:
ثلاث سنوات من التوقف الجزئي تعني فجوة في التطوير، وتأخر في التحديث، في زمن صار فيه الإعلام سباقاً في السرعة والصورة والجودة، لا مجرد بث تقليدي.
ورابعها التحدي التحريري والمضموني:
كيف توازن القناة بين نقل الواقع كما هو، دون تجميل ولا تهويل، وبين الحفاظ على الأمل في مجتمع يعيش على حافة الأخبار السيئة؟
كيف تكون صوت الناس لا صدى السلطة، ومرآة المجتمع لا منشور العلاقات العامة؟
أما التحدي الأكبر، فهو ثقة الجمهور:
جمهور تغيرت عاداته، وانتقل من الشاشة إلى الهاتف، ومن القناة إلى المنصة، ومن الخبر إلى الشائعة. استعادته تحتاج إلى مضمون صادق، لا مجرد بث منتظم.
ورغم كل ذلك، فإن عودة قناة البحر الأحمر تظل فعلاً مقاوماً في حد ذاته.
مقاومة لفكرة أن الحرب تنهي كل شيء،
ومقاومة لفكرة أن الإعلام المحلي هامشي،
ومقاومة لفكرة أن المدن الطرفية بلا صوت.
هي عودة تقول:
لسنا هنا لنعلن الانتصار، بل لنواصل الحكاية.
ولسنا شاشة نجت من الحرب، بل شهادة على أنها كانت هنا… ورأت… ولم تُغلق عينيها.
قناة البحر الأحمر تعود اليوم، لا كما كانت فقط، بل كما يجب أن تكون:
أقرب للناس، أصدق في خطابها، وأوعى بأن البث في زمن الحرب ليس مهنة… بل مسؤولية



