مقالات الرأي
أخر الأخبار

“صاحب الخرطوش”… سيرة رجلٍ عاش للناس ورحل في صمت الكبار بقلم عبد الكريم ابراهيم

“صاحب الخرطوش”… سيرة رجلٍ عاش للناس ورحل في صمت الكبار

بقلم / عبد الكريم ابراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴿٢٨﴾ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴿٢٩﴾ وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾صدق الله العظيم

الموت هو الحقيقة التي لا يغفل عنها عاقل، وهو المصير الذي ينتظر كل حي، قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ). وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل، يرحل عنها الإنسان بما قدم من عمل، لا بما جمع من مال أو جاه.

بقلوبٍ يعتصرها الحزن، وعيونٍ تفيض بالدمع، ودّعنا يوم الجمعة التاسع عشر من رجب 1447ه الموافق 9 يناير 2026 بمدينة حلفاية الملوك رجلًا من طرازٍ نادر، هو محمد حسن محمد خوجلي ، شقيق كل من فتح الرحمن (التوم) ، أسامة، وأبوبكر، اخلاص ، هناء ، آمنة والمرحوم العاقب الذي وافته المنية فجر يوم الجمعة المبارك، في شهر رجب الأغر، بعد حياةٍ حافلة بالعطاء، والصبر، والإيثار.

كان الفقيد مثالًا للزهد في الدنيا، لا يركض خلف مظاهرها، ولا يطلب من متاعها إلا ما يسد حاجته ويعينه على خدمة غيره. حتى الطير والحمام أشرف على تربيتها بعد نزوح أصحابها. عاش بسيطًا في ملبسه، متواضعًا في مسكنه، كريم النفس، عفيف اليد، لا يُرى إلا مبتسمًا، ولا يُذكر إلا بخير. لم يكن يطلب شيئًا لنفسه، بل كان دائم السعي لقضاء حوائج الناس، وكأنما خُلق ليكون خادمًا للخير.

في أحلك أيام الحرب، حين غادر الكثيرون منازلهم، ظل محمد حسن صامدًا في بيته، لم يبرحه، بل جعله منارة أمان وخدمة. كان بيته الوحيد الذي لم تنقطع عنه المياه، فمدّ خرطوشه لكل من احتاج، يسقي الناس فجرًا، ويوقظهم ليأخذوا حاجتهم من الماء، حتى عُرف بين الجميع بلقب “صاحب الخرطوش”، وهو لقب لم يكن مجرد وصف، بل شهادة على رجلٍ عاش للناس.

لم تكن مهنته في السباكة مجرد حرفة، بل كانت رسالة. أعاد تركيب صهاريج المياه، أصلح ما دمرته القذائف، أعاد خطوط المياه إلى البيوت، وساهم في ترميم ما تهدم، دون أن ينتظر شكرًا أو مقابلًا. حتى في الأمس القريب، أعاد تركيب صهريج مياه أحد البيوت بعد أن دمرته دانة، وواصل الليل بالنهار في خدمة الآخرين.

لم يكتفِ بخدمة الأحياء، بل كان حارسًا لبيوت من غادرها أهلها، يسد أبوابها، يحفظ مقتنياتها، ويمنع عنها السرقة بنفسه، حفاظًا عليها من اللصوص. كان يرى بأم عينه كيف تُنهب البيوت، فيجمع ما يستطيع من متعلقات الجيران ويؤمنها في بيته، متحملًا العنت والمشقة، صابرًا محتسبًا.

كان محمد حسن بارًا بأهله، واصلًا لرحمه، لا يقطع أحدًا، ولا يرد سائلًا. يزور الكبير والصغير، يواسي المريض، ويشارك في الأفراح والأتراح، ويحرص على لمّ الشمل. وقد لحق بوالدته الخالة شامة العوض (نور الشام) رحمها الله التي سبقته إلى الدار الآخرة قبل نحو عام وبضعة اشهر، راضية مرضية عنه، لما عُرف به من بر وصلة رحم.

ظل ملازمًا لمسجد الفكي شمس الدين بحلفاية الملوك ، يؤدي صلواته في جماعة حتى آخر يوم في حياته، ولم يُفقد إلا في صلاة فجر يوم وفاته ، حيث غاب وجهه النوراني عن صفوف المصلين، فكان فقده صدمة لكل من عرفه.

وُري جثمانه الطاهر الثرى يوم الجمعة، التاسع عشر من رجب 1447هـ، الموافق 9/1/2026، بمقابر نابري بحلفاية الملوك، في موكب مهيب يليق برجلٍ عاش كبيرًا ورحل كريمًا.

لقد رحل محمد حسن عن دنيانا، لكنه ترك أثرًا لا يُمحى في قلوب من عرفوه، وسيرةً عطرةً ستظل تُروى. نحسبه والله حسيبه من أهل الزهد والورع، ممن قال فيهم النبي ﷺ:

“ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس”.

نسأل الله أن يرفع درجته في عليين، وأن يجعله من الذين “لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون” ، وأن يرزقنا حسن الختام كما رزقه، وأن يجمعنا به في مستقر رحمته.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

عصير حزن الختام ياود نور الشام

رحلتَ يا ود نور الشام في صمتٍ جليلْ

كأنك النورُ في دربٍ به الليلُ طويلْ

سقيتَ الناسَ من خرطوشِ بيتِك بالندى

وكنتَ للخيرِ عنوانًا، ووجهًا لا يزولْ

زهدتَ في الدنيا، وعشتَ بها بسيطْ

وكنتَ للناسِ عونًا، للقلوبِ أنتَ صِيتْ

حملتَ همّ الحيّ، ما كلّتْ يداكْ

وصنتَ بيوتَ الغائبينَ، فذاكَ خيرُ رصيدْ

صلاتُك الفجرُ، والركعاتُ في المحرابْ

وشوقُكُ للرحمنِ، في القلبِ لا يُغتابْ

نمْ في ثراكَ قريرَ العينِ مطمئنًا

فالدعاءُ لكَ، والذكرُ لكَ، والرحمةُ بابْ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى