دبلوماسية الحكمة والإنسان: قراءة في تجربة عميد السلك الدبلوماسي السفير المغربي بالسودان كتب:محمدعثمان الرضي
دبلوماسية الحكمة والإنسان: قراءة في تجربة عميد السلك الدبلوماسي السفير المغربي بالسودان
كتب:محمدعثمان الرضي
تلبيةً لدعوةٍ كريمة من عميد السلك الدبلوماسي والسفير المغربي لدى جمهورية السودان، معالي السفير د. محمد ماء العينين، تشرفتُ بزيارته في منزله بمدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة، في لقاء اتسم بالود والصفاء وعمق المعنى.
جاءت الزيارة في سياق إنساني ودبلوماسي راقٍ، بعيداً عن الرسميات الجامدة، لتفتح مساحة رحبة للحوار الهادئ حول قضايا الثقافة والمجتمع، ومستقبل العلاقات الثنائية بين السودان والمملكة المغربية.
وقد بدت بورتسودان، وهي تحتضن مثل هذه اللقاءات، شاهدةً على حيوية الدبلوماسية الهادئة التي تُمارَس بعيداً عن الأضواء، وتعتمد على التواصل المباشر وبناء الثقة.
شكّل اللقاء فرصة ثمينة لتبادل الرؤى حول ما يجمع البلدين من تاريخ وروابط حضارية، وما يمكن أن يؤسس لمستقبل أكثر تعاوناً وتكاملاً، يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ويُعد السفير د. محمد ماء العينين من الدبلوماسيين الذين يجمعون بين العمل السياسي والعمق المعرفي، إذ عُرف باتساع ثقافته وكثرة اطلاعه، وحرصه الدائم على القراءة والبحث والتأليف.
ولمعاليه إسهامات علمية معتبرة، تجسدت في عدد من المؤلفات التي تناولت مجالات فكرية واقتصادية متعددة، وأسهمت في إثراء المكتبة العربية بمراجع ذات قيمة علمية عالية.
يحمل السفير أعلى الدرجات الأكاديمية، وحصل على عدة درجات دكتوراه، تتصدرها تخصصات في علم الاقتصاد، وهو ما انعكس على رؤيته المتوازنة وقدرته على تحليل القضايا برؤية علمية عميقة.
وعلى الصعيد الإنساني، يتسم معاليه بحسٍ عالٍ من التعاطف مع الشعب السوداني، ويعبّر في مجالسه عن انشغاله الصادق بوقف الحرب، وحرصه على استعادة الاستقرار والسلام.
لا يخفي السفير تأثره بما يمر به السودان، إذ يشارك أهله مشاعر الفرح والألم، ويحرص على الوقوف إلى جانبهم بما يتيحه له موقعه الدبلوماسي، في إطار احترام السيادة والأعراف الدولية.
وقد أسهم هذا النهج الإنساني في بناء علاقات متينة بينه وبين مختلف شرائح المجتمع السوداني، ما أكسبه تقديراً واسعاً واحتراماً واضحاً على المستويين الرسمي والشعبي.
ويمتد حضور السفير المغربي في السودان لما يقارب ثمانية عشر عاماً، ما يجعله من أقدم الدبلوماسيين إقامةً في البلاد، وهو عامل أساسي أهّله لنيل لقب عميد السلك الدبلوماسي.
هذه الإقامة الطويلة مكّنته من فهم دقيق لتعقيدات المشهد السوداني، ومن قراءة واعية لخصوصياته الاجتماعية والثقافية، بعيداً عن الأحكام السطحية أو المقاربات العابرة.
ويُعرف عن معاليه التزامه الصارم بأخلاقيات العمل الدبلوماسي، وحرصه على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للسودان، مع احترام كامل لحدود الدور والمسؤولية.
كما يمتاز السفير بالهدوء والتواضع الجم، حتى إنه يتحرج من استخدام الألقاب الأكاديمية أمام اسمه، رغم استحقاقه العلمي، في سلوك يعكس مدرسة دبلوماسية أصيلة.
وتحتل مكتبته الخاصة مكانة مميزة، إذ تضم مؤلفاته وأعمالاً فكرية مرجعية، جعلت منها فضاءً معرفياً مهماً، يستند إليه الباحثون والمهتمون.
ورغم إيمانه العميق بدور الإعلام وأهميته في تشكيل الوعي العام، يفضّل السفير العمل بصمت، بعيداً عن عدسات الكاميرات، مكتفياً بإنجاز مهامه بروح المسؤولية.
وتكشف العلاقات الاجتماعية بين الشعبين السوداني والمغربي عن عمق إنساني لافت، تجلّى في مئات الزيجات المختلطة التي برزت إلى السطح عقب اندلاع الحرب.
وقد أظهرت عمليات إجلاء الرعايا المغاربة من الخرطوم مدى تماسك هذه الروابط، وأكدت أن العلاقات بين الشعبين تجاوزت الأطر الرسمية إلى وشائج اجتماعية راسخة.
إن تجربة السفير د. محمد ماء العينين تمثل نموذجاً للدبلوماسية الهادئة القائمة على الحكمة والمعرفة والإنسانية، بعيداً عن الضجيج والاصطفاف.
وهي تجربة تؤكد أن العمل الدبلوماسي الحقيقي لا يُقاس بكثرة الظهور، بل بعمق الأثر، وبما يتركه من جسور ثقة ومحبة بين الدول والشعوب.



